ذاكرة الزهايمر.. ذاكرة الوفاء 2-2

ناهد باشطح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

فاصلة:

«سينسى الناس ما قلته، وسينسى الناس ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون»

-مايا انجلو-

مرض الزهايمر منتشر، هناك ما يقارب 130 ألف مصاب تقريباً في السعودية وبحلول عام 2050 ستتضاعف أعداد المصابين.

بعض الأسر تعتقد أنها وحدها في المعركة مع هذا المرض، لكنني وسط بحثي عن المساندة اشتركت بجمعيات بريطانية وأمريكية متخصصة لأطلع على أحدث طرق المساندة، وقرأت مقالات عدة كنت أود أن أعرف كيف أحقق الراحة لأبي. وقد وجدت دعماً من «الجمعية السعودية للزهايمر» ومن مجموعة دعم في برنامج واتس اب أسسها المحامي «فيصل العثيم» كان يعيش التجربة نفسها مع أسرته.

هناك أدركت أن ما نمر به ليس حالة فردية، بل رحلة تخوضها آلاف الأسر بصمت، وأن علينا نحن أهل المريض ألا نستسلم لسرقة المرض لحياة أحبائنا، فنحن نستطيع أن نجعل حياتهم على الأقل أهون عليهم وعلينا، حينما ننظر للزهايمر بنظرة الأقوى لمواجهته، وليس الأضعف فنعزل المريض عن مجتمعه وأصدقائه، أو نكتفي بإعطاء المريض مضادات الاكتئاب ليهدأ، دون أن نتعرف على وسائل التعامل مع مخاوفه وقلقه.

لا بد أن نتعلم مهارات مساندة مريضنا وحسن رعايته التي تتجاوز توفير ممرض أو ممرضة إلى رفقة حانية وروح واعية.

لقد كان الزهايمر يسرق من والدي أجزاءً من ذاكرته، لكنه كان يكشف لنا أجزاءً جديدة من إنسانيتنا، لم يتحول أبي في ذاكرتي إلى «مريض زهايمر»، ما زال الأب... ما زال الإنسان الذي له تاريخ وذكريات ومواقف وقيم.

فالزهايمر لم يعلمني كيف ينسى الإنسان، بل علمني كيف يحب الإنسان عندما يصبح التذكر مستحيلاً. لم أعتنِ بوالدي انتظارًا لمكافأة، لكن بعد رحيله جاءت مواقف جعلتني أشعر أن الله لا يضيع شيئًا من البرّ، حتى وإن ظن الإنسان أن ما بذله قد مضى وانتهى.

يبدو لي أنه عندما تذبل الذاكرة، تظهر الشخصية الحقيقية للإنسان، لذلك في حالة والدي رحمه الله، لم يظهر الغضب أو القسوة أو الأنانية، بل ظهرت الطيبة والحنان اللذان عاش بهما عمره كله.

لقد جعل والدي مَن حوله يشعرون بالأمان والمحبة، ولذلك بقي هذا الأثر حيًا في قلب كل من عرفه حتى اليوم.

إذ بعد رحيله قرأت كلمات كثيرة كتبها زملاؤه وأصدقاؤه في منصة X، لفتني حديثهم عن طيبته، عندها أدركت أن الزهايمر يستطيع سرقة الذاكرة لكنه يعجز عن سرقة ما هو أعمق : الطيبة التي زرعها أبي، الرحمة التي منحها لمن حوله، الأثر الذي تركه في القلوب، ذلك هو الجزء من الإنسان الذي لا يصيبه النسيان.

توفي والدي يرحمه الله بعد إصابته بكورونا، وخلال الجائحة كان الخوف يسكن الجميع، كنت أخاف مثلهم، لكن فكرة أن يبقى أبي وحيدًا خلف أبواب المستشفى كانت تخيفني أكثر، فدعوت الله أن يبلغني طمأنته، لأني كنت أعرف أنه سيشعر بوجودي حتى وهو في غيبوبة ولم يعد يعرفني أو يتذكر اسمي، يومها رغم أن الزمان كورونا والمكان مستشفى لا يسمح لأحد بالدخول إلى قسم المصابين بكورونا، منّ الله علي بفضله ودخلت إلى غرفته وفتحت جوالي ليسمع آيات الله الكريمة وتحدثت إليه ثم ودعته ورحل بعدها بست ساعات.

رحل والدي قبل ست سنوات، لكن المفارقة التي اكتشفتها بعد رحيله أن الزهايمر لم ينتصر في النهاية، نعم، سرق بعض ذكرياته، لكنه منحنا نحن أبناءه ذاكرة جديدة؛ ذاكرة الرحمة والصبر والحب غير المشروط، وما زالت تلك الذاكرة حيّة فينا حتى اليوم.

ترك لنا أبي دروساً عميقة بصمت، وأكد لنا أن الزهايمر الذي يسرق الأحداث، لا يمكنه أن يسرق الجوهر، وبقيت شخصيته الطيّبة الحنونة كما هي تحفّنا في حياتنا، حتى بعد رحيله.

نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.