مكافحة الاحتيال المالي تبدأ بالوعي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تزامنًا مع التطور المتسارع في استخدامات نظم المدفوعات الإلكترونية واتساع نطاق الخدمات المالية الرقمية، برزت أساليب احتيالية أكثر تعقيدًا تعتمد على ما يُعرف بالهندسة الاجتماعية، حيث تستهدف استغلال الثقة والتأثير على السلوك البشري لخداع الأفراد وحملهم على الإفصاح عن معلوماتهم الشخصية أو المصرفية، أو تحويل أموالهم بطرق تبدو في ظاهرها مشروعة، بينما تهدف في حقيقتها إلى الاستيلاء على الأموال أو البيانات بوسائل غير مشروعة.
ومع ما شهدته المملكة العربية السعودية من تحول رقمي متسارع في القطاع المالي، أصبحت اليوم من بين الدول الرائدة عالميًا في تبني وسائل الدفع الإلكترونية. فقد ارتفعت حصة المدفوعات الإلكترونية في قطاع التجزئة للأفراد من 70 % عام 2023 إلى 79 % بنهاية عام 2024، ثم إلى 85 % بنهاية عام 2025، وهو ما يعكس النمو المتسارع في الاعتماد على القنوات الرقمية وتنامي الثقة في منظومة المدفوعات الإلكترونية بالمملكة.
هذا النجاح الكبير في مسيرة التحول الرقمي، الذي جعل المملكة نموذجًا عالميًا في تبني المدفوعات الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، يستدعي في المقابل مواصلة رفع مستوى الوعي وتعزيز إجراءات الحماية والوقاية، ولا سيما في ظل تنامي عمليات الاحتيال المالي العابرة للحدود.
وتزداد أهمية التوعية بالنظر إلى أن الاحتيال المالي لا تقتصر آثاره على خسائر الأفراد والمؤسسات فحسب، بل يُعد في كثير من الحالات مدخلًا لجرائم مالية أخرى أكثر خطورة، تأتي في مقدمتها عمليات غسل الأموال، ما يؤكد على أهمية تعزيز الوعي واليقظة باعتبارهما خط الدفاع الأول للحد من هذه الممارسات وحماية سلامة النظام المالي.
ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وانتشار منصات التواصل الرقمي، بات المحتالون يوظفون أدوات وأساليب أكثر تعقيدًا تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يمكنهم من إنتاج رسائل ومحتويات وصور ومقاطع صوتية تحاكي الواقع بدرجة عالية من الإقناع. كما وتستهدف هذه الأساليب استغلال الثقة والتأثير على السلوك البشري لدفع الضحايا إلى الإفصاح عن بياناتهم الشخصية أو المصرفية، أو تحويل أموالهم طواعيةً استجابةً لرسائل ومطالبات تبدو في ظاهرها مشروعة وموثوقة. ومن هنا، أصبحت مكافحة الاحتيال المالي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود بين الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية ووسائل الإعلام والعملاء أنفسهم، بما يعزز من أمن التعاملات المالية ويحافظ على الثقة في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، تواصل لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية جهودها الرامية إلى تعزيز الثقافة المالية والمصرفية ورفع مستوى الوعي بمخاطر الاحتيال المالي وأساليب الوقاية منها. فمنذ تأسيسها عام 2006، نفذت اللجنة العديد من المبادرات والبرامج والحملات التوعوية التي استهدفت مختلف شرائح المجتمع، انطلاقًا من إيمانها بأهمية الوعي المجتمعي كخط الدفاع الأول في مواجهة الجرائم المالية والحد من آثارها.
وقد ركزت هذه الحملات على توعية العملاء بأحدث أساليب الاحتيال المالي وطرق التصدي لها، مع التأكيد على أهمية المحافظة على البيانات والمعلومات المصرفية، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، إضافة إلى ضرورة التحقق من موثوقية الروابط والرسائل الإلكترونية، إلى جانب تعزيز ثقافة الإبلاغ السريع عن العمليات المشبوهة. ولتثبيت هذه المفاهيم التوعوية، أطلقت اللجنة حملات وطنية بارزة، من بينها حملة «خلك حريص وحرّص عليهم»، التي أسهمت في رفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر الاحتيال المالي وأساليبه المتجددة.
وقد أكدت الأستاذة رابعة محمد الشميسي، الأمين العام للجنة الإعلام والتوعية المصرفية في كلمتها خلال الاحتفالية التي نظمتها اللجنة لتكريم شركائها الاستراتيجيين يوم الأحد الماضي، أن اللجنة دأبت منذ تأسيسها عام 2006 على تنفيذ العديد من البرامج والمبادرات التوعوية المتخصصة في المجالات المالية والمصرفية، وفي مقدمتها التوعية بمخاطر الاحتيال المالي وسبل الوقاية منه. وأوضحت أن هذه الجهود تنطلق من إدراك اللجنة لأهمية مواكبة الأساليب الاحتيالية المستجدة ورفع مستوى الوعي المجتمعي بها، بما يمكن أفراد المجتمع من حماية أموالهم وبياناتهم واتخاذ القرارات المالية السليمة في بيئة رقمية متسارعة التطور.
وفي هذا الإطار، أوضحت لجنة الإعلام والتوعية المصرفية، من خلال حملاتها التوعوية المتعاقبة، أن سرعة الإبلاغ والتعامل الفوري مع محاولات الاحتيال المالي تمثل عاملًا أساسيًا في الحد من الخسائر وحماية الأموال. ولذلك دعت اللجنة العملاء، في حال التعرض لعملية احتيال مالي، إلى التواصل المباشر مع الجهة المالية فورًا، وإبلاغ الجهات الأمنية عبر مراجعة أقرب مركز شرطة، أو من خلال منصة «أبشر»، أو الاتصال على الرقم (911) في مناطق الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، وعلى الرقم (999) في بقية مناطق المملكة. كما أكدت أهمية إعادة إرسال الرسائل الاحتيالية إلى الرقم الموحد (330330) لدى جميع شركات الاتصالات، بالذات التي تَعد بجوائز وهمية، للمساهمة في الحد من انتشارها وحماية أفراد المجتمع.
ختاماً، فإن مكافحة الاحتيال المالي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية والعملاء. وفي هذا السياق، يقع على عاتق المصارف دور أساسي في مراقبة العمليات المالية التي تخرج عن طبيعة وسلوك العميل المعتاد، والتحفظ عليها بشكل مؤقت عند وجود مؤشرات اشتباه، إلى حين التحقق من العميل والتأكد من سلامة العملية. ويُعد هذا الإجراء أحد أهم خطوط الدفاع للحد من تمرير عمليات الاحتيال قبل وقوع الضرر.
نقلا عن "الرياض"