موت القاموس وميلاد السيولة

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

حينما تقال كلمة ستر كان القلب يهدأ وكانت تسدل ستائر الحرير على المنازل، وحينما يقال لهذا الرجل شهامة تفسح له الطرقات وتمهد له السبل، أما كلمة مروءة فكانت تعني أن هناك أحداً مازال يحسبها بالعشرة وليس بالمصلحة، أما التضحية والإيثار فكانا فوق رأس أي عشيرة. كلمات ثقيلة لها وزنها، ولها صدى في الروح قبل الأذن. وفي يومنا هذا أصبحت منازلنا في الميادين العامة بجدران من زجاج وبلا ستائر تعاني من عري ومن كشف المستور، وهذا هو واقع جل مجتمعاتنا العربية اليوم!

اليوم نفتح التلفزيون، نمشي في الشارع، نتابع السوشيال ميديا، فنجد قاموساً آخر يتصدر المشهد! "تنمر، تحرش، بلطجة، سبوبة، فهلوة" كلمات سريعة حادة، باردة تقال كل دقيقة من غير توقف. فلا حمرة خجل تكسو الوجه ولا قلب يتوجع، وكأننا نتحدث عن الطقس!

ومن هنا يولد لدينا سؤال ملح للغاية: ما الذي حدث؟ وكيف كانت تلك الكلمات هي الحصن الحصين للأخلاق قذفنا بها من النافذة لنضع مكانها كلمات تمثل كسر الحصن؟

والإجابة ببساطة تنبثق من قانون خطير اسمه "سيولة القيم".. القيم لا تموت فجأة على الإطلاق، ولكنها تذوب كقطعة الثلج تلين ثم تفقد تشكلها، ثم تصبح ماء ليتشكل بحسب الإناء الذي يوضع فيه. إناء المصالح، إناء الشهرة، تحت شعار "وماذا في ذلك؟ هكذا يفعل الكل"! وهنا تصنع مقصلة القيم!

لقد كانت القيم الصلبة مثل الصدق، الشهامة، هي الإناء للمجتمع بأسره ليشكل نفسه عليها وبمقياسها، فمن يكذب يفتضح أمره، ومن يتعامل بلا أصول تبتعد الناس عنه فلا بيع ولا شراء ولا شهادة ولا نسب، ثم تحكى حكايته بالخزي والعار للأحفاد.. وعلى هذا المنوال أتت كلمات لتوصيف سلوك يجثم على صدر المجتمع فلا نسمع إلا صراخاً وأنيناً مع تزايد هذا السلوك أو ذاك بلا هوادة أو حياء أو خشية وكأننا بأقلامنا ونداءاتنا واستنكارنا ننفخ في بوق مثقوب أو ننفخ في نار مشتعلة!

وقد نتأمل ميلاد هذا السلوك من رحم سلفه -أو قل السيولة من قلب الصلب- سنجد أن من موت المروءة التي تحمي الضعيف تولد البلطجة لتفرض منطق القوة، ومن تضاؤل الإيثار تولد السبوبة لتأخذ حقاً ليس لك، ومن تفتق ستار الستر تولد الفضائح، والتنمر يصبح اللغة السائدة!

المسألة ليست تبديل حروف، المسألة تبديل منظومة كاملة، استبدلنا قاموس الحماية بقاموس الاعتداء، واستبدلنا كلمات تبني الإنسان والإنسانية بكلمات تهدمه، واستبدلنا الأخلاق التي تبنى على "أنا وأنت" بأخلاق تقول:" أنا أو أنت"! وهذه أخطر مرحلة في البنى الاجتماعية التي أطلق عليها برتولت بريخت" تحول الاستثناء إلى قاعدة"، فالبلطجي كان شاذاً، حالة فردية، الناس كلها تقف ضده، واليوم أصبح القاعدة! ومن يسلك الشهامة أصبح استثناء والمتسامح "كيوت" أو مسكين، فانقلبت الصورة وانشرخت المرآة!

أين دور الفن المسرحي والسينما والإذاعة والتلفزيون من هذه الظواهر الاجتماعية، إذا ما اعتبر أن الفن صانع القاعدة؟ ولكنه في الوقت ذاته مرآة عاكسة وكأننا نعاني من ظاهرة الأواني المستطرقة وقد نستثني الإذاعة من هذه الإشكالية لأنها الوحيدة التي احتفظت بقيمها ورونقها الثقافي.

وهناك سبب آخر لهذه السيولة وموت القاموس القيمي، وهو فهم التلقي، فالقبيح حينما يعرضه الفن فهو ضده لكي يجعل المتلقي يصرخ بأعلى صوته في دهشة لذيذة بهذا النبذ، نابذاً هذا الفعل القيمي السالب للحياة وللمعنى.. لكن المتلقي الآن لأي سلوك فني لا ينتظر النهاية لكي يحصل على العبرة وعلى رسالة العمل كله، بل يجتزئ الصورة السالبة وينتزعها من إطارها لتصبح بروازاً لسلوك جمعي مقيت.

الأعمال العالمية جميعها مليئة بالقتل والسلب والسرقات ولكن المتلقي يعلم أن عرض هذه السوالب ما هو إلا نقد لها كي يستهجنها وينبذها، وهذا لا يحدث في عالمنا العربي بل نقلد ما يحدث فتتلوث الرسالة ويصبح العمل شائهاً منبوذاً مذموماً نتاج جهل المتلقي بالهدف المنشود من وراء أي عمل فني فضاع الطالب والمطلوب! وهذا يعود إلى جهل المتلقي بعلوم الدراما ومسالكها ووظائفها.

إن التحول الاجتماعي الذي نحياه اليوم، ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة.. ونتيجة أي فعل إنساني يمكن تغييرها بطبيعة الحال وذلك بفعل إنساني مضاد اسمه التذكير؛ نذكر أنفسنا وأبناءنا أن هناك فرقاً كبيراً بين القوي والبلطجي، بين الجريء وقليل الأدب، بين النزيه ومن يأكل حراماً.

وفي الآخر؛ ليست مشكلتنا مع الكلمة "بلطجة" الكلمة بريئة.. مشكلتنا أننا لا نستهجنها ولا نستقبحها؛ وبطلان الاستقباح هو بداية موت أي أمة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط