جدلية الإعلام الخليجي بين صخب الانتباه وصناعة الثقة

فايز عبد الله الشهري
فايز عبد الله الشهري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لا تَبني الصورةُ المُشتراة دولةً، ولا يرفع التلميع الدعائي كيانًا سياسيًا إن لم يكن هناك رصيدٌ من الجغرافيا، والاقتصاد، والمؤسسات، والشرعية، والثقة. رُبّما يستطيع الإعلام أن يُضخّم الصوت، وأن يُلوّن المشهد بألوان براقة، وأن يجعل الدولة الصغيرة تبدو لَوْهلة أوسع ظلّا مما هي عليه في موازين القوة. غيرَ أن الوقائع لا تُخادَع. فالسياسة -في جوهرها- لا تُقاس بعدد المقابلات المدفوعة، ولا بحرارة المنصات، ولا بزحام المؤتمرات، بل بقدرة الدولة على تحويل حضورها إلى أثر، ووعودها إلى اطمئنان، ونفوذها إلى نتائج مستقرة.

اليوم هناك نموذجان إعلاميان مختلفان؛ يمَضي الأول بهدوء الواثق، مُستندًا إلى عمق تاريخي، وكُتلة بشرية واقتصادية، ومؤسسات تَعرف وزنها ولا تحتاج إلى صخب كي تثبت وجودها.. أما الثاني فيراهن كثيرًا على هندسة الانتباه، من خلال شركات العلاقات العامة، والمنابر الدولية، ومراكز التفكير، والفعاليات العابرة للحدود. وليست المشكلة في أن تَستخدم الدولة الإعلام، فكل دولة تحتاج إلى رواية تشرح مصالحها وتُدافع عن صورتها. لكن المعضلة تبدأ حين تُكابر وتكبر الرواية على خلاف الواقع، وحين يتحول الاتصال السياسي من جسر يصل الحقيقة والمنطق بالناس إلى مراوغة مكشوفة تحاول حجب الواقع ومغالطة الأسئلة الكبرى.

ومما ينبغي إدراكه هنا أن المال قد يشتري الفُرصة، لكنه لا يبيع الحقيقة. والإعلام المُستأجَر لَرُبّما يعرف كيف يختار زاوية الضوء، وكيف يدفع الجمهور إلى النظر حيث يريد. لكنه لا يستطيع أن يخلق قُدرة استراتيجيّة من فراغ، فالقوة لا تولد من ازدحام العناوين، بل من تراكم الموارد، واتّساق القرار، وتحمُّل كلفة الدَّور.

لذلك تبدو الدول ذات الأساسات الصلبة أقل انشغالًا بالصراخ. فالبيت لا تُثبِت الزخارفُ أركانَه، بل بأعمِدته الصُّلبة. والسفينة لا يطمئن الناس إليها لأن بوقها عالٍ، بل حين يُوقِنون أنها ستظل ثابتة حين يثور البحر من حولها.

ويظهر الفارق هنا بجلاء عند المقارنة بين دولة كبرى مثل المملكة، بما تملكه من سُوق واسع، وعُمق سكاني، وموقع مركزي في الطاقة والاقتصاد العالمي، وحضور معتبر في المنصات الدولية، وبين نموذج أصغر يحاول تعويض النقص بكثافة الظهور واستعجال الحركة واستئجار أدوات التأثير. هنا، قد ينجح هذا النموذج الثاني في صناعة الانتباه، وقد يَخطف الأبصار لحظة كما تخطف أضواء الألعاب النارية سماء مدينة. لكن هذا الانتباه اللحظي لا يبني الثقة ولا يعيش طويلًا إذا اصطدم بملفات الأمن، والنزاعات، والشفافية، وتناقض الخطاب مع السلوك.

الثقة ليست سلعة، ولا تُشترى بحملة علاقات عامة، ولا تَتقرّر من مقال مدفوع، ولا تستقرّ بتكرار مفرداتٍ براقة عن الانفتاح والحداثة والوساطة. تنشأ الثقة من تجربة متراكمة مع الدولة في الداخل والخارج، من مؤسسات رصينة، وسياسة يمكن تَوقُّعها، وخطابٍ لا يعارض المبادئ المستقرّة. وحين تتّسع الفجوة بين ما تقوله الدولة وما تفعله، يصبح ضجيج الإعلام عبئًا عليها لا سندًا لها.

وفي هذه الجدلية، يَمتاز النموذج السعودي بأنه لا يبني حضوره على حملاتٍ عابرة، بل على مشروع دولة يُراكم تحولاتها باتزان ثقيل المعنى. فالإصلاح الاقتصادي، والتحول الرقمي، وتوسيع قطاعات السياحة والثقافة والرياضة، والحضور في مجموعة العشرين، كلها عناصر تمنح الرواية السياسية السعودية سندًا قابلًا للقياس والفحص. نعم، توجد تحديات، فلا تخلو التحولات الكبرى من عثرات. لكن الفرق هنا أن المسار نفسه واضح ومرئي، وله أدواته ومؤشراته، وليس مجرد لوحة دعائية صُممت لتعيش لحظتها ثم تذوي.

أما النموذج الصاخب فينتقل من مأزق وخيم إلى آخر. فكلما ارتفع الصوت، زادت رغبة الآخرين في تفتيش حقيقة مصدره. وكلما اتسع إطار الصورة الفاقعة، تضاعفت الأسئلة عمّا هو خارج الإطار. وهكذا يغدو الصخب علامة قلق لا علامة ثقة، والسياسة لا تكافئ الأكثر صخبًا، بل تكافئ الأكثر اتساقًا وقدرة على الثبات. والدعاية قد تصنع لحظة إعجاب، لكنها لا تصنع احترامًا طويلًا إن لم يسندها واقع جدير بالاحترام.

قال ومضى:

الطارئون على التاريخ قلّما يستوعبون دروسه..

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط