اللاتفاهم في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية»

إبراهيم النحاس
إبراهيم النحاس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

ابتدأ الصِراع الأميركي الإيراني بوصول الخُميني للسلطة بطهران في فبراير 1979م، واستمر ذلك الصِراع بشكل تصاعدي حتى وصل بعد 47 عاماً لمرحلة الصراع المسلح الذي ابتدأته الولايات المتحدة وإسرائيل بالهجوم العسكري على إيران في 28 فبراير 2026م. وبعد ثلاثة أشهر ونصف من بدء الهجوم العسكري الأميركي الإسرائيلي على إيران، وقع رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود بزشكيان، "مذكرة تفاهم"، في 18 يونيو 2026م، متضمنةً 14 بنداً، وهدفها الرئيس الوقف المباشر للصراع المسلح، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ووقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وتعهد إيراني بعدم امتلاكها لبرنامج نووي للأغراض العسكرية.

ونتيجة لمذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان الأميركي والإيراني، توقفت الأعمال المسلحة بعد التوقيع مباشرة، وابتدأت المفاوضات الأميركية الإيرانية بين اللجان المعنية من الطرفين، وعادت حركة الملاحة البحرية إلى نشاطها بشكل تدريجي. إلا أن هذه الخطوات الإيجابية التي تمت بعد توقيع "مذكرة التفاهم" توقفت فجأة عندما بادرت إيران باستهداف سفينة شحن دولية تمر عبر مضيق هرمز مما دعا الرئيس الأميركي ترمب لأن يصف ذلك العمل بأنه انتهاك لوقف إطلاق النار الذي تضمنته "مذكرة التفاهم"، مما استدعى بالمقابل رداً عسكرياً أميركياً استهدف مواقع إيرانية، لترد إيران بعد ذلك باستهداف أراضي مملكة البحرين ودولة الكويت بعدد من الطائرات المسيرة التي تسببت بأضرار في المنشآت المدنية. فإذا أخذنا هذه التطورات المتناقضة سياسياً وعسكرياً وأمنياً بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، كيف يمكن أن نفسرها؟

إن من يقرأ بنود "مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية"، ومن يعرف تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، ومن يدرس طبيعة وأيديولوجية النظام السياسي في الولايات المتحدة وفي الجمهورية الإيرانية، يُدرك يقيناً بأن نقاط الالتقاء تكاد تكون معدومة، ونقاط التناقض والابتعاد تكاد تكون هي الأصل والأساس بينهما. ويمكن الإشارة إلى عدد من النقاط التي تؤكد ذلك، ومنها:

1) تقوم التوجهات الفكرية والسياسية الإيرانية على تعزيز الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط حتى وإن تطلب ذلك الدخول في صراع عسكري مباشر مع الطرف الذي يقف في وجه هذه الطموحات التوسعية الإيرانية. بينما تقوم التوجهات الفكرية والسياسية الأميركية على تعزيز الهيمنة العالمية للولايات المتحدة حتى وإن تطلب ذلك الدخول في صراع عسكري مباشر من كل الأطراف الإقليمية والدولية التي تقف في وجه الطموحات التوسعية الأميركية.

2) ترتكز العلاقات الدولية لإيران على علاقاتها الاستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية، وعلاقاتها القوية مع جمهورية روسيا الاتحادية، اللتان تعتبران المنافستان الرئيستان للولايات المتحدة، والمهددتان لنظام القطبية الأحادية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. بينما ترتكز الاستراتيجية الأميركية على محاصرة التوسع الصيني والروسي في جميع مناطق العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستراتيجية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وهذا بالضرورة يتطلب تصاعد الصراع الأميركي الإيراني.

3) ترتكز استراتيجية الهيمنة والتوسع الإيراني إقليمياً ودولياً على امتلاك إيران لبرنامج نووي متقدم يمكنها في الوقت الذي تريده من تحويله لبرنامج نووي للأغراض العسكرية، تستطيع من خلاله تهديد النظم السياسية التي تعارضها، وتتمكن من ردع أعدائها حال قرروا الهجوم عليها. بينما ترتكز الاستراتيجية الأميركية على منع الدول، وخاصة المعادية لها، من امتلاك برامج نووية للأغراض العسكرية حتى تتمكن من تنفيذ سياساتها وتعزيز هيمنتها العالمية في كل مكان تقرر التوجه له.

4) تؤكد السياسة الأمنية لإيران على أهمية إخلاء منطقة الخليج العربي من القوات الأميركية ووجوب مغادرتها المنطقة بشكل نهائي. بينما تؤكد السياسة الأمنية للولايات المتحدة على أهمية الوجود في منطقة الخليج العربي، وتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط حرصاً منها على منع منافسيها واعدائها من الوجود نهائياً في المنطقة.

5) تتبنى إيران سياسة تدخلية في الشؤون الداخلية للدول الإقليمية مما يتسبب بزعزعة أمنها واستقرارها، ويؤثر سلباً على استراتيجية الهيمنة الأميركية السَّاعية لتعزيز مكانتها وكسب القبول الشعبي لوجودها. بينما تتبنى الولايات المتحدة سياسات معارضة للتدخلات الإيرانية القائمة في أساسها على دعم التنظيمات والجماعات والميليشيات المتطرفة والإرهابية التي تستهدف أمن واستقرار الدول التي توجد فيها، وتؤثر سلباً على تحالفاتها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة.

وفي الختام، من الأهمية القول إن أحد أهم أسباب عدم نجاح "مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية" في إنهاء الأزمة هو التسرُّع الكبير في وضع بنودها ال14 المتناقضة في أهدافها وغاياتها بين الولايات المتحدة وإيران، والتجاهل التام لأسباب الخلاف والصراع التي امتدت ل 47 عاماً، ما تسبب بعدم نجاحها، ويدفع لتجدد حالة الصراع واستمرار الأزمة. نعم، إن حالة اللاتفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية التي استمرت ل 47 عاماً، لا يمكن أن تعالجه "مذكرة تفاهم" وُضعت بنودها خلال 60 يوماً، وتجاهلت تماماً المصالح العليا للدول العربية والإقليمية.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط