رونالدو... حكيم المونديال
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في هذا المونديال المقام بأميركا وكندا والمكسيك، في أضخم نسخة يصنعها «فيفا» منذ تأسست كأس العالم لكرة القدم... لفتات ولقطات بعيدة عن صلب اللعبة نفسها، لكنها تتصل بلعبة أكبر وأعمق، وهي: لعبة الحياة نفسها!
تتشابك السياسة مع التاريخ مع الثقافة مع مشاعر الإنسان الفرد وصراعه مع نفسه ومع عالمه، من أجل كسب الذات وتحقيق المجد المنتظر، أو الوصول إلى لحظة الكمال الأسمى.
اللاعب البرتغالي الاستثنائي في مسيرته ومنجزاته وإصراره وهو يدلف لسن الأربعين، حكاية مثيرة متعددة الشرفات المطلة على اتجاهات متنوعة.
شدَّني حديث كريستيانو رونالدو في مؤتمر صحافي في أرلينغتون قرب دالاس، أمام حشد كبير من الصحافيين قبيل مباراة فريقه البرتغال مع جاره الكبير إسبانيا، قال رونالدو مخاطباً الصحافيين: «منذ 23 عاماً وأنتم تحاولون قتلي، لكنكم أدركتم بالفعل أن ذلك لا جدوى منه. إنها مضيعة للوقت. تحاولون مرة بعد مرة، لكن الأمر لا يجدي نفعاً. لقد اعتدت على كل ذلك تماماً. اعتدت على الانتقادات وعلى الإشادات، وعلى كل ما يقال».
ثم انتهى إلى هذه الخلاصة الأربعينية: «أعيش كل لحظة كما هي. لن أصبح كريستيانو أكثر إذا فزت بكأس العالم، ولن أصبح كريستيانو أقل إذا لم أفز بها».
من أين جاء لاعب كرة القدم ورجل الأعمال وأحد أبرز مؤثري السوشيال ميديا، بهذه «الحكمة»؟! كيف يقول إن المدح والقدح لم يعودا يؤثران فيه، وهو منغمس في عالم رقمي تقاس قيمتك فيه بعدد المعجبين؟! هل يقصد بهجومه هذا فقط الصحافيين المحترفين وشبه المحترفين، أم أنه يعني كل الدنيا؟! الحق أنه إن كان وصل إلى هذه الخلاصة مع الجميع فقد أراح نفسه وواسى قلبه في عالم قاسٍ مفترس تزيد وحشيته كل يوم في هذه الغابات الرقمية.
شعرة رفيعة تفصل بين البلادة والقوة النفسية للتعامل مع أحكام الآخرين معك أو ضدك... وعلى صراط هذه الشعرة يكمن الفرق بين الجحيم والفردوس النفسي.
أبو حامد الغزالي هو من كبار علماء المسلمين في العصور العباسية، وله مساهمات غنية في فلسفة الأخلاق، خصوصاً في مدونته الشهيرة «إحياء علوم الدين»، ومما قاله في هذا الشأن: «ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا سيما إذا كان ذلك ممن يُلتفت إلى قوله ويُعتد بثنائه، وهذا مختص بثناء يقع على الملأ، فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يُلتفت إلى قوله، كان المدح ألذ والذم أشد على النفس».
وهذا معيار حاكم في الاعتداد بالمدح أو احترام النقد وأخذه على محمل الجد، المعيار هو: مَن المادح أو القادح، وما أهليته العلمية والأخلاقية؟! أو ربما يكون الحل في الزبدة التي استخلصها الأديب والشيخ علي الطنطاوي الذي قال: «وقد ألفتُ المدح والقدح حتى لو رفعني مادحٌ إلى السماء ما استخَفّني، ولو نزل بي قادحٌ إلى الحضيض ما أزعجني».
هذه صعبة حين يأخذ الإنسان نفسه بها، ويعيفها مثل عسف الحصان الجموح، لكنه إن أفلح في هذا الترويض، فقد وصل إلى معراج روحي ومرتقى نفسي هو غاية كل عاقل ومُنية كل آمل.
صعبة لكنها ليست مستحيلة...
نقلا عن "الشرق الأوسط"