ماذا تريد "جماعة الحوثي" بعد "مذكرة التفاهم"؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بما تضمنته "مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية" التي وقعها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، ورئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان، في 18 يونيو 2026م، ببنودها ال 14، وخاصة في بندها الأول، فإنها أرسلت رسالة إيجابية وتطمين لجميع وكلاء وأتباع وعملاء الجمهورية الإيرانية، وأوصلت رسالة سلبية وتحذيرية لجميع دول منطقة الشرق الأوسط. نعم، فإذا كانت معظم البنود ال 14 من "مذكرة التفاهم" تتضمن رسائل إيجابية لجميع وكلاء وعملاء إيران، فإن البند الأول تضمن رسالة صريحة وتشجيعية لجميع وكلاء وعملاء إيران في المنطقة، ومنهم "جماعة الحوثي" التي قرأت البند الأول بدقة، وعملت بالرسالة العميقة التي تضمنها وفق تنسيق دقيق مع الداعم والممول لها في إيران.
وهذه الرسالة المتضمنة بالبند الأول تتمثل بالآتي: "توقع الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الحالية مذكرة التفاهم هذه لإعلان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، والتعهد من الآن فصاعدًا بعدم شن أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد أي منهما، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أي منهما، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وبنودًا أخرى من هذه الفقرة.".
نعم، استطاعت الجمهورية الإيرانية فرض وكلائها وعملائها في "مذكرة التفاهم"، واستطاعت الحصول على موافقة الولايات المتحدة بقبول تمثيلها لجميع وكلائها وعملائها في المنطقة، وتمكنت من الحصول على موافقة الولايات المتحدة بشرعية تدخلها في الشؤون الداخلية للدول التي يوجد فيها عملاؤها ووكلاؤها وأنصارها في لبنان "حزب الله"، وفي العراق "ميليشيات الحشد الشعبي"، وفي اليمن "جماعة الحوثي". وإذا كان التدخل الإيراني صريحاً ومباشراً ومعلناً في دعمه وتمويله وتدريبه لوكلائه وعملائه في لبنان والعراق مُنذُ عقود سابقة، فإن وجوده المُعلن والصريح والمباشر ابتدأ بتوقيع "مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية" في 18 يونيو 2026م، وذلك بإعلان وصول أول طائرة مدنية إيرانية إلى مطار صنعاء في 3 يوليو 2026م الذي تحتله وتسيطر عليه "جماعة الحوثي".
وإذا كان وصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء يعتبر انتهاكاً صريحاً لسيادة الدولة اليمنية التي تمثلها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومقرها مدينة عدن، فإن عدم إدانة الولايات المتحدة لهذا التحرك الإيراني تجاه اليمن يعتبر قبولاً بشرعية التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لليمن من خلال دعمه وتمويله ومساندته ل "جماعة الحوثي" عملاً بما تضمنته "مذكرة التفاهم". وإذا كانت التهديدات المتطرفة التي أعلنتها "جماعة الحوثي" بإعلان قدرتها على تعطيل الملاحة البحرية في مضيق "باب المندب"، واستهداف الناقلات البحرية في البحر الأحمر، يعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي، فإن عدم إدانة الولايات المتحدة لتصريحات "جماعة الحوثي"، المُعلن تبعيتها لإيران، يعتبر قبولاً بشرعية سيطرتها على صنعاء، وقبولاً بشرعية تصريحاتها المتطرفة المتوافقة مع سياسة إيران الإقليمية وذلك عملاً بما تضمنته "مذكرة التفاهم".
وفي الختام، من الأهمية القول إن التحركات السلبية التي أقدمت عليها "جماعة الحوثي" بالتضييق على شعب اليمن، والتهديد بإغلاق مضيق "باب المندب"، وباستهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر، مصدرها الموافقة الصريحة والضمنية التي أبدتها الولايات المتحدة ب "مذكرة التفاهم" على السياسات والتوجهات الإيرانية الإقليمية. نعم، إن الذي تُريده "جماعة الحوثي" من تحركاتها السلبية، وتصريحاتها المتطرفة، بعد ثلاثة أعوام من الصَّمت، تأكيد شرعيتها السياسية في حكم اليمن، وتأكيد تبعيتها العسكرية والأمنية لإيران، وتأكيد تبعية الدولة اليمنية لتوجهات إيران، سعياً منها في تعزيز مكانة إيران الإقليمية والدولية، وذلك تنفيذاً لما تضمنته "مذكرة التفاهم" وما احتوته بنودها من معانٍ صريحة ومضامين عميقة.
نقلا عن "الرياض"