أرباح سكوت المغردين
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تقول الحكاية: كان هناك رجلٌ عجوزٌ طريحُ الفِراش، يعاني من الوحدة التي أرهقته، فاستأجرَ شخصًا لا يعرفه حتَّى يقصَّ عليه القصص المسلِّية، فيؤنس وحدته، وتمَّ الاتِّفاقُ بينهما، وجاء اليوم الأوَّل فقصَّ الرجلُ الكثيرَ من القصص الشيِّقة، وبعد انتهاء اليوم، أعطاه الشيخُ المبلغَ المتَّفق عليه، وبعد مرور عدَّة أيَّام، سئم الشيخُ العجوزُ من القصص المكرَّرة، فطلب من الرَّجل أنْ يصمتَ مقابل ضعف المبلغ المتَّفق عليه، وبالفعل صمت الرجلُ، وفي نهاية اليوم أعطاه الشيخُ العجوزُ المبلغَ المتَّفق عليه، وأوَّل ما رأى الرجلُ المبلغَ أخذ يردِّد «إذا كانَ الكلامُ من فضَّةٍ
فالسكوتُ مِن ذهبٍ»!!
لقد تحوَّلت منصَّات التواصل الشَّهيرة، وعلى رأسها منصة «X»، والتيك توك، لتكوة متقاعدِين وعطلجيَّة، لا يكفُّون عن الرَّغي، والسَّوالف السَّامجة، والآراء السطحيَّة، على مدار الساعة، حتَّى سئمنا منهم، ومن أخلاقهم المزيَّفة، وربما حان الوقتُ لأنْ يطلب منهم ملَّاك هذه المنصَّات أنْ يكرمونَا بسكوتِهم -يومين أو ثلاثة بالأسبوع- مقابل مضاعفة الأرباح الشهريَّة، حتى يرتاح المتابعُون من وجيههم الودرة، وأفكارهم الضَّحلة، وتنبؤاتهم المُؤدلجة!!
طبعًا، سوف يطلُّ علينا من بين الأسطر، مغرِّدٌ سطحيٌّ ينبهر بالأسماء لا الآراء، ليتهمني بأنَّني أحسدُ هؤلاء الفاضِين المتبطحِين على أرباحهم الشهريَّة، التي يتقاضُونها مقابل مشاركاتهم المكرَّرة والمملَّة، والحقيقة إنَّني لا أحسدُهم ولا غيره، وإلَّا لما طالبتُ من الملَّاك مضاعفة الأرباح لقاء صمتهم، بل إنَّني أُشفق عليهم، وهم يعرِّضُون شيباتهم حتى أنصاف الليالي على قارعة المنصَّة بانتظار مَن يتغزَّل بمحتواهم، وينقط عليهم باللَّايك والمشاهدة!!
لقد حاولتْ مرارًا هذه المنصَّات العالميَّة، وضع حدٍّ لهؤلاء الفضوليِّين الرغَّايين حتى يكفُّوا عنها سماجتهم ويلتفتُوا لشؤون حياتهم الأساسيَّة، حيث أقصت (الفلورزات) المزيَّفة، ثمَّ فضحت الأخبار المغلوطة، ثمَّ شهَّرت وخصمت على مَن يستخدم «شات جروك» لصناعة محتواه ونسبته لنفسه، ومع ذلك ظلُّوا موجودين ٢٤ ساعة، يؤلِّفون من كيسهم، يداهنُون مَن يواليهم، يؤلِّبون مَن يعارضهم، ويبيعُون الوهم على الطبقة الكادحة والمهمَّشة!!
لقد خلق هؤلاء المغرِّدُون المتنفِّذُون، حالةً من التوهان لدى عموم المتابعين، فهم عادة ما يظهرُون بمرحلة معيَّنة قد تتوافق مع واقعة، أو إجراءات حديثة، لينشرُوا انتقاداتهم اللَّاذعة، قبل أنْ يتراجعُوا أو يعتذُروا عنها بعد تواصل أو تصحيح الجهة المعنيَّة -بغض النَّظر عن مدى قناعة المتابعين بها- وكأنَّ دورهم الأساس تمييع ردَّة الفعل، وامتصاص حالة الغضب العارمة، ثمَّ تلميع صورة الجهة المستهدفة بطريقة أشبه بالإعلانات الترويجيَّة!!
لا بُدَّ وأنَّه قد تبادر إلى ذهنك عدد من الأسماء اللَّامعة في سماء المنصَّات الشَّهيرة، ولو أمعنت النَّظر في سيرهم الذاتيَّة، أو مكانتهم الاجتماعيَّة المرموقة، لوجدتهم فشلةً مهمَّشِين، لم ينجحُوا في أيِّ منصبٍ تولُّوه رغم الفرص العديدة؛ ليأتُوا إلى هذه المنصَّات المنفتحة محمَّلين بالغرور، ومرض جنون العظمة؛ ليسقطُوا في وحل التكرار والشعبويَّة؛ ما يدفعنا لمناجاة ملَّاك المنصَّات حثَّهم على الصَّمت، وصرف مكافأة تحت بند (أرباح سكوت المغرِّدين)!!