نحـو فلسفـة النـوم

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

منذ أطفأ الإنسان الأول ناره وأسلم رأسه للنوم، تحت سقف الكهف كان النوم هو العقد الصامت الذي وقعه مع المجهول. نستسلم كل ليلة لظلام لا نملك عليه سلطانا، ونثق أننا سنعود، لكن ماذا لو كان هذا الاستسلام اليومي هو النموذج الأول لكل الشاشات التي جاءت بعده؟ ماذا لو كانت الوسادة هي الشاشة الأولى، والنوم هو المحاكاة الأكثر إتقانا للموت؟

فما النوم إلا نسخة تجريبية للموت، يقول هيدجر: «إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يكون نحو الموت». إذ أننا نحن نعيش ونحن نعرف النهاية. فالنوم يمنحنا بروفة يومية لهذه النهاية، كل ليلة نمارس الميتة الصغرى كما يطلق عليها، إذ نطفئ الوعي، نسلم الجسد للسكون، ونترك الأنا معلقة بين عالمين، الفارق الوحيد أن الموت لا يحتوي على زر الغفوة.

وبهذا فالنوم ليس راحة، بل إنه تدريب وجودي، دماغنا يجبرنا على مواجهة فكرة الموت ثماني ساعات يوميا حتى نعتادها، وكأن الطبيعة تقول لنا: تدرب حتى لا تفزع هناك لكل من عمل عملا صالحا وقابل ربه بروح راضية مطمئنة.

فإذا كان النوم هو «ريلز» اللاوعي بإخراج فرويدي، وإذا كانت اليقظة هي البث المباشر، فالحلم هو المونتاج. إذْ أن الدماغ يتحول -بهذا المنطق الفرويدي- إلى شركة إنتاج بعد منتصف الليل يأخذ قصاصات نهارنا ويصنع منها فيلما سيرياليا مدته سبع ثوان لكننا نشعر أنه استمر دهرا.

لقد تحدث الفيلسوف الفرنسي جان بودريارد (1929 - 2007) عن المحاكاة التي تحل محل الواقع، إذا فإن الحلم يفعل ذلك بامتياز. إنه الواقع الافتراضي الكامل، بتقنية الواقع المعزز العصبي، ولا يحتاج فيه إلى نظارة. المشكلة فقط أننا لا نملك زر الخروج، حيث نشاهد ممثلا ومخرجا ونصا في الوقت نفسه، ولكن بلا سيناريو متقن!

أما ما يطلق عليها كوابيس فهي الإعلانات الإجبارية التي يقحمها اللاوعي وسط أحلامنا، فلا يمكننا تجاوزها، إما نستيقظ الآن وإما نشاهد الرعب لمدة ثلاثين ثانية إضافية!

فإذا ما قد أدمنا مشاهدة الشاشات، فإن الوسادة هي أقدم واجهة استخدام في التاريخ، قبل أن تكون هناك شاشات، كانت هناك الوسادة واجهة ناعمة نضع عليها رؤوسنا فيتم تسجيل الخروج من العالم الواقعي، فلا نحتاج إلى تحديث ولا إلى شاحن ولا تنتهك خصوصيتنا؛ إلا إذا اعتبرنا أن الحلم هو تسريب بيانات من العقل الباطن!

المفارقة الساحرة أننا نهرب من شاشات الجوال إلى السرير كي نرتاح فنسقط في شاشة أكبر وأكثر سطوة. شاشة الجوال يمكننا كسرها، لكن شاشة الحلم تكسرنا نحن إذا ما حاولنا الهرب منها فجأة وهذا ما يسمى «شلل النوم» عندما يعلق النظام بين عالمين!

ولذلك اخترعت آلة المنبه لتخلق نوعا من الصراع مع الزمن الافتراضي، فالمنبه هو الجدار الناري بين محاكاتين حينما يرن يقطع بث الحلم ليجبرنا على العودة إلى بث الواقع، لذلك نكرهه، لأنه يذكرنا أننا لا نملك السيادة الكاملة على أي من العالمين!

ديكارت قال «أنا أفكر إذا أنا موجود». في الحلم نحن نفكر، نبكي، نركض، لكننا غير موجودين بالمعنى الفيزيائي، فهل الحلم يطعن في كوجيتو ديكارت؟ ربما كان عليه أن يقول أنا أحلم، إذا العلم عند الله هل أنا موجود أم لا.

وقد نصاب بالأرق وتعصي القدرة على استجلاب النوم، فهو ذلك التمرد على رفض الدماغ لتسجيل الخروج، وكأن وعينا يقول: لا أريد أن أموت الليلة، حتى لو كانت موتة صغرى. في عالم الشاشات، الأرق هو عندما تعلق الشاشة على شعار ما وترفض أن تقلع، فنظل محدقين في السقف، عالقين بين الرغبة في الهروب والخوف من الهروب!

نيتشة كان يقول إن الأرق هو إرادة القوة، أن نقاوم الغريزة البيولوجية الأقوى -النوم- لأننا نرفض أن نمحى ولو مؤقتا.

ولذا ننحو نحو فلسفة جديدة للنوم، فربما حان الوقت لنتوقف عن معاملته ك»فاصل إعلاني» بين أيامنا، فهو ليس انقطاعا عن الحياة، بل هو طبقة أخرى منها، هو الوضع الليلي لتأكيد الحياة برغم الموت الأصغر.

فالإنسان المعاصر يدفع من ماله لتجنب الإعلانات، لكنه مجبر على مشاهدة إعلانات اللاوعي كل ليلة مجانا، فالأحلام المبتورة، الكوابيس، الاستيقاظ المفاجئ، كلها فواصل إجبارية في بثنا الداخلي.

وفي النهاية كل الشاشات التي صنعناها هي مجرد محاولة بائسة لتقليد الشاشة الأولى، نغلق أجفاننا فنرى عوالم، ونفتح الجوال فنرى عوالم أخرى، والفارق أن الأولى من صنعنا نحن، أما الثانية فهي من صنع خوارزميات لا نعرفها.

ربما لهذا السبب نضع رؤوسنا على الوسادة ونحن ممسكون بالجوال، لكي ننتقل من شاشة إلى شاشة، من محاكاة إلى محاكاة، بحثا عن واقع لم نعد متأكدين من إنه كان موجودا أصلا.

وفي النهاية فالنوم ليس ضد الحياة، بل هو الوجه الآخر لها، هو المسودة التي يكتبها العقل كل ليلة قبل أن ينشر النسخة النهائية في النهار، أما الموت فهو ربما يكون مجرد نوم بلا منبه.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط