السعار الحوثي من جديد
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تحاول الهروب إلى الأمام. فشلت في كل شيء. لم تعد الحرب مجدية، ولا الاحتلال، ولا القبضة الحديدية. خفت بريق التأييد الشعبي، وانشغل الممول الخارجي بنفسه. تكفيه جروحه العميقة.
جماعة الحوثي فاجرة في الخصومة، كافرة بأعراف الوطن وإخوة التراب. ابتلعت الدولة ومن عليها بقوة سطوة السلاح. استنسخت تجربة حزب الله الميليشياوية ومارست التطرف. رهنت اليمن لمشاريع إقليمية خاسرة. واستعدت الجيران وقفزت على أمواج المذهبية والطائفية العاتية.
وإن تعمد تلك الفئة التي لا تتجاوز 7% من المكون اليمني، رفض ومعاندة أي شكل من أشكال الحلول التي تؤدي للسلام، فأقل ما يمكن القول عنها إنها ورم سرطاني يجب استئصاله.
عطلت تلك الزمرة الفاسدة مصالح البلاد، وأرزاق العباد. أوقفت الناقل الرسمي للدولة «الخطوط الجوية اليمنية»، لاستبدالها بالطيران الإيراني «ماهان الخاضع للحرس الثوري». هذه خطوة يمكن تفسيرها بأنها محاولة جديدة لتحويل اليمن إلى منفذ للأجندة الإيرانية العابرة للقارات، وساحة ابتزاز دولي، في ظل الأوضاع الراهنة.
شرح رئيس الوزراء ووزير الخارجية اليمني شائع الزنداني الحالة الحوثية، لا سيما في أعقاب التمرد الأخيرة، ونقض الهدنة الموقعة منذ عام 2022.
قال الرجل مخاطبا الشعب اليمني «هذا أسلوب يلجأ إليه المارقون، كلما اتجه اليمنيون للسلام، والبحث عن الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار. يجيدون فن اختلاق الادعاءات الباطلة والتضليل، ضد الحكومة الشرعية والأطراف السياسية والقبلية، ونحو التحالف بقيادة المملكة، وبقية العالم ومنظمات الأمم المتحدة والعمل الإنساني والإغاثي، تمهيدا للزج بأبناء اليمنيين بحروب داخلية أو إقليمية، في توجه لا يخدم سوى أجندات معادية لليمن وشعبه».
يتصور أن الخطوات الحوثية الأخيرة، على رأسها تعطيل الخطوط الجوية اليمنية، إضافة إلى ميناء الحديدة، صورة من صور كراهية الجماعة للشعب اليمني. يفسر في حديثه بأن الجماعة اتجهت لتلك السياسيات، لتجويع الشعب اليمني.
والميليشيات التي ذهبت لتقديم العزاء في المرشد الإيراني، جن جنونها بعد رفض الحكومة الشرعية تسيير رحلة عودة وفدها إلى مطار صنعاء عبر شركة «ماهان»؛ التي ارتبطت خلال السنوات الماضية، بعقوبات دولية تتعلق بتقديم دعم لوجستي للحرس الثوري الإيراني.
وصانع القرار اليمني المعترف به دوليا، استند في قراره على عدة مبررات منطقية. ما هي؟ أولا: سلوك الطيران الإيراني المريب، في الرحلة التي نقلت وفد الحوثيين لإيران. فقد قطعت بشكل متكرر، إشارات التتبع الخاصة بالطائرة أثناء عبورها الأجواء اليمنية، ما يشي بريبة من حرصها على التخفي. ثانيا: أنها كانت تحمل عناصر من الحرس الثوري وحزب الله، إضافة لمعدات عسكرية وأسلحة وأجهزة اتصالات، لتعزيز قدرات الانقلابيين. ثالثا: أن ذلك فيه خرق واضح وصريح لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.
صحيح أن طهران تقدمت بطلب لقيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن للموافقة على تسيير رحلة للخطوط الإيرانية إلى صنعاء، لمحاولة تصحيح الإجراء غير القانوني. لكن الأمر بالمجمل، لا ينهي السعي الحثيث الذي يكرره الإيرانيون، لاستدعاء اليمن للدخول على خط أزماته المتجذرة في المنطقة.
برأيي، إن الحوثي يحاول عبر تلك التصرفات، فرض واقع جديد على الأزمة اليمنية، وبالتالي الحصول على أكبر قدر من المكاسب، التي قد تنجم عن أي حالة تفاوضية. بدليل رفع سقف بذاءته واستخدامه لغة خطاب دنيئة تجاه السعودية الأسبوع ما قبل الماضي، وهو ما واجهته قيادة التحالف بقيادة الرياض، بأسلوب حاسم لا يقبل التأويل فهمه أولئك الحمقى.
أعتقد أن هذا ناجم عن أنها - أي الجماعة المتطرفة - تواجه أزمات داخلية معقدة. مثل ماذا؟ فقدان التفوق العسكري المزعوم، الذي حصلت عليه لسنوات مضت، بالبلطجة والترهيب، خصوصا في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها. وتدني مستوى معنويات المقاتلين، والحشد الداخلي من الناحية الشعبية. وانكشاف حقيقة حجم الخسائر العسكرية والسياسية.
في المقابل، بزعمي هناك ما هو أعمق مما سبق، ما هو؟ اتضاح أن العنتريات الإيرانية التي تضعها الميليشيات كحصان طروادة، سقطت وتبخرت، بفخ عدم قدرة الحرس الثوري على حماية طهران وبقية المناطق، وأن ادعاء القوة الخارقة، ما هو إلا شعارات عنجهية، لم تتمكن من الذود عن الرموز، الذين تساقطوا واحدا بعد الآخر.
أستطيع القول إن الحوثي بات يخشى حقيقته، ومصاب بالرعب من انتقام المجتمع اليمني، الذي نكل به منذ أن جاء من صعدة التي تأسس بها كثلة جاهلة تملك قوة السلاح، ليطبق حصاره على العاصمة ومفاصل الدولة، وصولا للتحكم بلقمة عيش اليمنيين والتفنن بالتجويع والتصفيات والقتل على الهوية الدينية والسياسية.
إن اجتهادات أنصار الله في تبني مزج الدين بالسياسة؛ من خلال السير بالفلك الإيراني وفق أيديولوجية طائفية، هي محاولات ساقطة قبل ولادتها، حتما سينقض عليها اليمنيون مهما كلف الأمر، وطال الأمد أو قصر.
الخلاصة؛ تؤكد تجارب التاريخ بما لا يدع للشك مجالا؛ أن مثل هذه الفطريات السياسية سيأتي عليها يوم ما، لتجد نفسها ورقة محروقة، أو بمزبلة التاريخ.
سيسقط الأوباش في الوحل. لن يخدمهم تكرار السعار.. من جديد.
نقلا عن "مكة"