سردية الأنثروبولوجيا السعودية

سارة عبدالعزيز المعيذر
سارة عبدالعزيز المعيذر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

تنطلق سردية الانتقال الفلسفي لعلم الأنثروبولوجيا في المملكة العربية السعودية من تخصص هامشي، ثقافياً ومحاط بالتحفظات الفكرية والاجتماعية، إلى أداة وطنية استراتيجية فاعلة يمثل قصة نجاح إبستمولوجية نادرة الحدوث في التاريخ الفكري المعاصر.

العقود عديدة، كان يُنظر إلى الأنثروبولوجيا على أنها تخصص يحمل مخاطر التشكيك في المسلمات الدينية والتقليدية السائدة، أو إثارة العصبيات الضيقة. غير أن النظرة الاستراتيجية الجديدة التي قادتها رؤية المملكة 2030 قد فككت هذه المخاوف القديمة واستبدلتها بوعي ناضج يرى في دراسة الإنسان وفهم المجتمع جزءاً لا يتجزأ من عملية صناعة القرار الوطني الرشيد. لقد أدركت الدولة وفقها الله أن التخطيط الاستراتيجي الفعال وبناء مدن الغد الذكية وإدارة التحولات الاقتصادية الكبرى لا يمكن أن تنجح أو تستقر ما لم تستند إلى فهم علمي دقيق لخصائص المجتمع وقيمه وتمثلاته الثقافية المتنوعة. وبذلك، تحولت الأنثروبولوجيا من الهامش الأكاديمي إلى بؤرة الاهتمام السيادي للدولة، مجهزة بأحدث أدوات الدراسات الثقافية متعددة التخصصات لرصد وتحليل البنية السلوكية والرمزية للإنسان السعودي المعاصر وتأمين عبوره الآمن نحو المستقبل..

إن هذا التحول الفلسفي قد سحب البساط من تحت أقدام التيارات الفكرية التي حاولت طويلاً إبقاء العلوم الإنسانية في عزلة تامة عن قضايا التنمية والبناء الوطني، ليعلن أن الأنثروبولوجيا هي الأداة المنهجية الأكثر قدرة على تفكيك بنى المجتمع التقليدي وفهم كيفية استجابتها لعوامل الحداثة والتغيير دون التضحية بثوابتها الهوياتية الكبرى. ومع هذا التوطين المنهجي، تصبح الأنثروبولوجيا السعودية علماً وطنياً بامتياز، يسهم بفعالية في صياغة رؤية تنموية شاملة ومستدامة تضع الإنسان، بثقافته وقيمه وتاريخه، في صدارة أولوياتها وغاياتها الاستراتيجية القصوى.

وفي ذات المضمار الفلسفي، نلمس كيف انتقلت العقلية التنموية السعودية من التركيز المطلق والتقليدي على البنية التحتية المادية إلى التركيز العميق والشامل على البنية الثقافية والاجتماعية للإنسان. ففي العقود الأولى للطفرة الاقتصادية، كانت التنمية تُختزل في بناء الكتل الإسمنتية، وشق الطرق السريعة، وتأسيس المدن الصناعية، وتوسيع شبكات الخدمات اللوجستية، وهي بنية مادية ضرورية ولكنها لا تكفي وحدها لصناعة نهضة حضارية مستدامة ومتوازنة. ومع بزوغ فجر رؤية 2030، حدث تحول نوعي هائل وجريء، حيث أدرك المخطط الإستراتيجي السعودي أن الإنسان هو محرك التنمية وغايتها الأخيرة، وأن الاستثمار الحقيقي والأكثر جدوى يكمن في عقله ووجدانه وقيمه وثقافته. إن هذا التغيير البنيوي الفلسفي تطلب بالضرورة استخدام أدوات ومناهج علمية دقيقة قادرة على قراءة الوجود الاجتماعي والرمزي وتفسير السلوك البشري وتتبع جذوره ومتغيراته المستمرة. وبذلك، أصبحت الأنثروبولوجيا ركيزة أساسية لفهم البعد الإنساني في المشاريع التنموية الكبرى، مما يضمن أن تتناغم الخطط الاقتصادية والتقنية الحديثة مع العادات والتقاليد والقيم السائدة للمجتمعات المحلية، لتتحول الثقافة من مجرد عنصر للتجميل الاجتماعي والترفيهي إلى أصل استراتيجي وقوة ناعمة وطاقة إنتاجية هائلة تسهم بفعالية في بناء الاقتصاد المعرفي المستدام.

إن هذا التحول يعكس فلسفة تنموية إنسانية ناضجة ترفض اعتبار الفرد مجرد رقم إحصائي أو ترس في عجلة الإنتاج الاقتصادي، بل تراه كائناً ثقافياً متكاملاً يحمل موروثاً عميقاً وصوتاً فريداً بين الأمم.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط