مِن أَدَبِ الرِّحلاتِ العَرَبِيَّةِ الأقدم
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم تكن العلوم في منازعها البينية مقتصرة على تواشج الإنساني، والعلمي، أو الأدبي، والفلسفي فحسب، بل وجدنا ذلك أيضاً في العلوم الإنسانية المتواصلة فيما بينها، فهناك علائق مهمة تجمع الأدب بالإنثربولوجيا، والسيسيولوجيا، والإبستمولوجيا، ونحوها، غير أن الجغرافية الأدبية لم تحظَ –للأسف- بانتشار كبير، فنزر قليل من الباحثين والأدباء والنقاد يتوجهون بدراساتهم إلى هذا اللون من الأدب، ولا سيما أن التراث العربي يعجّ بمدونات كثيرة خلّفها البلدانيون القدماء، وهي مؤلفات جديرة بالكشف عن علاقة العربي بالآخر، والتعرف على صورة الأماكن، والبقاع غير العربية، وحضورها في الفكر العربي القديم.
ويعدّ أدب الرحلات العربية شكلاً من أشكال ذلك التواشج المعرفي والإبداعي، وبخاصة أنه يندرج ضمن الأجناس الأدبية القديمة؛ فهو نثر كتابي وضعه الأدباء، والجغرافيون، والتجار المسلمون من خلال ارتحالاتهم التي بدأت طلائعها في حدود العصر العباسي، وكانوا يعتمدون في مثل هذا اللون من الكتابة على المشاهدة المباشرة، والتوثيق الحالي، والتدوين الواقعي الذي يتحدث عن العصر، ويكون شاهدًا عليه.
وقد ينأى هذا اللون من الكتابة عن الخيال الأدبي؛ لأنه مشغول بأهداف أخرى، كرسم خرائط تجارية، أو سياسية، أو توثيق حياة الشعوب الأخرى؛ ولهذا اتسم هذا الأدب بخصائص وسمات، منها: التدوين العياني، والتوثيق الميداني، والبساطة اللغوية، والابتعاد عن التكلف اللغوي، والتركيز على الآخر بوصفه محور اهتمام، إضافة إلى رصد غرائب العادات والثقافات، وتسجيل بعض السلوكيات.
ولقد دوِّن العرب الكثير من الرحلات البرية والبحرية منذ أن عرفوا القفار والبحار، كرحلة أبي دلف الخزرجي الينبوعي، ورحلة ابن بطوطة، ورحلة ابن جبير، ورحلات السندباد البحري التي لم تخلو في كثير من أوصافها من الغرائب، والعجائب، ويدخل كل ذلك في جغرافية الأدب، وفي أدب الرحلات عموماً، وإن كانت رحلة سلام الترجمان إلى جبال القوقاز، وأطراف قارة آسيا من أقدم تلك الرحلات، إذ كانت بين 227ه - 232ه، وذلك عندما أرسله الخليفة العباسي الواثق بالله في مهمة استكشافية للبحث عن (سد يأجوج ومأجوج).
كما تعد رحلة (سليمان السيرافي) من الرحلات الأقدم، ويظهر أنه أول رحالة عربي قام باستكشاف بلاد المالايو في القرن الثالث الهجري، وهي رحلة فريدة في التاريخ العربي، مليئة بالمشاهد والأحداث، ويبدو أن هذا الرحالة العربي سبق في رحلته هذه جميع الرواد والمستكشفين، سواء العرب أو غيرهم، وقد كان يصف ما شاهده من العجائب والغرائب ليس في بلاد الملايو (ماليزيا، وأندونيسيا) وما حولهما فحسب، بل حتى في بلاد الهند، والصين، واليابان، ولذلك يمكن عده أنموذجاً أولاً، لا سيما أنه قد كتب رحلته هذه بأسلوب أدبي شائق يستهوي المتلقي.
ومن الرحلات القديمة أيضاً: رحلة ابن فضلان (309ه) من بغداد إلى بلاد الترك، والروس، وصقالبة (الفولغا)، وتأتي أهمية هذه الرحلة في أنها أول رحلة (دبلوماسية) متكاملة، وقد صيغت بلغةٍ سرديةٍ أدبية بديعة، حيث قدّمت الوصف الغربي الأقدم والأكثر دقة لثقافة (الفايكنغ)، وشعوب شمال أوروبا، وقد بدأت رحلة ابن فضلان ومن برفقته بتكليف من الخليفة المقتدر العباسي؛ لتبليغ الإسلام في أرض السلافيين، ومما يلفت النظر فيها طول السفر، ومدة المسير.
من هنا، رأينا أن مثل هذه الرحلات وما تبعها من رحلات أخر، هي أعمال إبداعية أولى تستحق الاهتمام؛ نظراً إلى أنها تصور عوالم الشرق والغرب العجيبة تصويراً دقيقاً، كما أنها رحلات تجذبك إلى قراءتها، وتشوقك إلى عدم تركها حتى تصل إلى نهايتها، وقد مهّدت الطريق للرحلات المتوالية لاحقاً.
نقلا عن "الرياض"