.
.
.
.

إفريقيا.. هل تحمل سر تغير الأقطاب المغناطيسية للأرض؟

نشر في: آخر تحديث:

يحيط بالكرة الأرضية مجال مغناطيسي، وهو الذي يجعل البوصلة تشير إلى الشمال، كما يحمي الغلاف الجوي للأرض مما يقصف عليه من الفضاء من جسيمات مشحونة مثل البروتونات.

يصبح الغلاف الجوي للكرة الأرضية عرضة للتعري ببطء أمام الإشعاعات الضارة من الفضاء بدون المجال المغناطيسي، بما يهدد بالانعدام التام لوجود أي شكل من الأشكال الحالية للحياة.

تغير المجال المغناطيسي

يمكنك تخيل أن المجال المغناطيسي عبارة عن سمة أبدية وثابتة للحياة على الأرض، وإلى حد ما فقد يكون مفهومك هذا صحيحاً. ولكن واقع الحال يقول إن المجال المغناطيسي للأرض يتغير بالفعل، إذ بين الحين والآخر، وعلى ما يقرب من عدة مئات الآلاف من السنين انقلب حال المجال المغناطيسي بحيث أصبح قطبه الشمالي يشير إلى الجنوب والعكس صحيح.

وعندما ينقلب المجال المغناطيسي فإنه يصبح ضعيفاً للغاية، بحسب ما نقلته صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عن حوار نشرته دورية "كونفارسيشن" Conversation للبروفيسور جون تاردونو، أستاذ الجيوفيزياء، وبروفيسور فنسنت هير، أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة روتشستر.

خطر على الأقمار الصناعية

أما ما يسبب القلق للفيزيائيين حالياً إنما هو إدراكهم أن المجال المغناطيسي للأرض كان آخذا في التناقص بمعدل مفزع خلال الـ160 سنة الأخيرة.

ويتركز هذا الانهيار في مساحة هائلة من نصف الكرة الجنوبي، ممتداً من زيمبابوي حتى شيلي، والذي يعرف علميا باسم " شذوذ جنوب الأطلسي"، حيث يبلغ المجال المغناطيسي من الضعف ما يمثل خطراً على الأقمار الصناعية التي تدور فوق المنطقة، وذلك لأن هذا المجال لم يعد يحميهم من الإشعاعات التي تتداخل في أجهزتهم الإلكترونية.

انقلاب الأقطاب

ويأخذ المجال في الضعف، لدرجة أنه من المحتمل أن يؤدي إلى وقوع أحداث أكثر درامية، بما في ذلك حدوث انقلاب عالمي في الأقطاب المغناطيسية. وقد يؤثر هذا التغير الكبير على أنظمتنا الملاحية، فضلاً عن نقل الكهرباء.

ولأن مزيداً من الإشعاع قد يصل إلى سطح الأرض في ظل الضعف الشديد في قوة المجال المغناطيسي، خلال ذلك الانقلاب العالمي، فقد يؤثر ذلك أيضاً على معدلات الإصابة بالسرطان لسكان الأرض.

ومازال العلماء غير قادرين على تقدير، بشكل محدد، المدى الذي قد تبلغه تلك التأثيرات، وهذا بدوره يؤكد ضرورة التعجل في إجراء المزيد من الأبحاث.

سجلات أثرية

وربما يكون الباحثون على وشك التوصل إلى بعض مصادر جديدة للبيانات، تشمل التأمل في سجلات أثرية إفريقية يرجع تاريخها إلى 700 عام. ولأن المجال المغناطيسي للأرض يتكون بالتصعيد بالحمل للحديد في اللب الخارجي السائل لكوكب الأرض، ومن واقع ثروة المعلومات التي حصدتها المراصد والأقمار الصناعية - التي توثق المجال المغناطيسي في العصور الحالية - فقد يمكن للباحثين أن يصنعوا نموذجاً لما قد يبدو عليه المجال إذا كانت لديهم بوصلة تعلو مباشرة دوامات الحديد السائل في لب الأرض.

مجال مغناطيسي معكوس

وتكشف هذه التحليلات عن سمة بالغة الأهمية، وهي حقيقة أنه توجد رقعة صغيرة من انعكاس القطبية تحت جنوب إفريقيا عند حافة غطاء اللب، حيثما يلتقي الحديد السائل في اللب الخارجي بالجزء الأقل صلابة في باطن الأرض.

وفي هذه المنطقة فإن مجال المغناطيسية على العكس من المجال المغناطيسي العالمي، حيث إذا قمنا باستخدام بوصلة في العمق تحت جنوب إفريقيا، فسوف يلاحظ أن الشمال في تلك الرقعة غير العادية يشير إلى الجنوب. وهذه الرقعة هي السبب الرئيسي وراء تخليق منطقة "شذوذ جنوب الأطلنطي".

التآكل المغناطيسي

وفي العديد من نماذج المحاكاة، تظهر رقع غير عادية مشابهة لتلك الرقعة تحت جنوب إفريقيا، تظهر في الحال قبل الانقلابات الجغرافية المغناطيسية.

لقد انقلبت الأقطاب المغناطيسية على طول تاريخ الكوكب، إلا أن الانقلاب الأخير وقع في زمن سحيق، منذ حوالي 780,000 سنة.

إن التآكل السريع للمجال المغناطيسي الحالي، ونمطه في التآكل، من الطبيعي أن يثير التساؤل حول ما كان يحدث خلال الـ160 عاماً الأخيرة.

الأواني الفخارية

وفي الدراسات الأثرية المغناطيسية، قام فريق من الجيوفيزيقيين ومعهم علماء الآثار بدراسة عن ماضي المجال المغناطيسي. وعلى سبيل المثال، فإن الطمي الذي يستخدم في صنع الأواني الفخارية يحتوي على كميات صغيرة من معادن مغناطيسية، مثل الماغنيتايت. وعندما يسخن الطمي لصنع وعاء، فإن معادنه المغناطيسية تفقد مغناطيسيتها.

وعند تبريدها فإن المعادن المغناطيسية تسجل اتجاه وحدة المجال المغناطيسي في ذلك الوقت. وإذا أمكن لشخص ما تحديد عمر الوعاء، أو الموقع الأثري الذي جاء منه (مستخدماً التأريخ بالكربون المشع، على سبيل المثال) فمن ثم يمكن استرجاع التاريخ الأثري المغناطيسي. وباستخدام هذا النوع من البيانات يمكن أن يتوافر تاريخ جزئي لنصف الكرة الشمالي.

وعلى النقيض من ذلك فإن سجل التاريخ الأثري المغناطيسي لنصف الكرة الجنوبي يعتبر ضئيلاً. وبصفة خاصة، فإنه لم يكن هناك بالفعل بيانات عن جنوب إفريقيا، وتلك هي المنطقة، ومعها أميركا الجنوبية، التي قد تمد الباحثين بالبيانات الدقيقة عن تاريخ رقعة اللب المقلوب، التي تشكل حالياً "شذوذ جنوب الأطلسي".

قرائن الأسلاف الأفارقة

إلا أن أسلاف سكان جنوب إفريقيا الحاليين، من عمال التعدين والفلاحين، الذين يتكلمون لغة "البانتو"، والذين بدأوا هجراتهم إلى المنطقة ما بين 1500 و2000 سنة مضت تركوا وراءهم، عن غير قصد، قدراً من القرائن.

كان السكان في العصر الحديدي يعيشون في أكواخ مبنية بالطمي، وكانوا يخزنون الغلال في صوامع من الطمي. ومثلهم، مثل أوائل مزارعي العصر الحديدي، كانوا يعتمدون أساساً على سقوط الأمطار.

ولكن في عصور الجفاف كان الناس يحرقون الصوامع المبنية من الطمي من أجل تنظيفها، وهذه الظروف هي التي تركت تراثاً من السجلات الأثرية المغناطيسية التي تساعد في الدراسات الحالية.

كما أن القرائن التي قدمها الأجداد في العصر الحديث بجنوب إفريقيا ستساعد بلا شك على مواصلة تطوير الآلية المرجحة لدى الباحثين بشأن الانقلابات المغناطيسية.

وإذا ثبتت صحة تلك المعطيات، فقد تتأكد الاستنتاجات القائلة بأن إنعكاس القطبية قد يكون "نابعاً من إفريقيا".