التلوث البلاستيكي يهدد فاعلية المضادات الحيوية.. أدلة علمية جديدة

الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُسهم في زيادة مقاومة المضادات الحيوية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

لا يقتصر خطر التلوث البلاستيكي على الإضرار بالبيئة والكائنات الحية، بيد أنه قد يمتد أيضاً إلى تقويض فاعلية المضادات الحيوية، إذ تشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية قد تُسرع تطور مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، بما قد يُفاقم إحدى أخطر الأزمات الصحية العالمية.

وقد بدأت المضادات الحيوية، التي كانت تُستخدم لعلاج كثير من الالتهابات الشائعة، تفقد فعاليتها مع تزايد مقاومة البكتيريا لها، في الوقت الذي تُعد مقاومة المضادات الحيوية، التي تسببت في 1.14 مليون حالة وفاة خلال عام 2021، مشكلة صحية عالمية ترتبط في المقام الأول بسوء استخدام المضادات الحيوية في الرعاية الصحية وتربية الماشية. ويقول بينغ-جي ني، المهندس البيئي في جامعة نيو ساوث ويلز بمدينة سيدني: "يمكن أن يكون التلوث البلاستيكي عاملًا بيئيًا إضافيًا يُسهم في الحفاظ على جينات المقاومة ويُسهّل انتشارها".

إجهاد بيولوجي

كشفت الدراسات المخبرية والبيئية أن هذه الجسيمات تُقرّب الميكروبات من بعضها، وتُسبب إجهاداً بيولوجياً يُسهّل تبادل الجينات، بل تُهيئ ظروفاً تُفضّل ظهور سلالات مقاومة للأدوية، بحسب ما نشره موقع "Chemistry World"، الذي أوضح أنه رغم كون الخطر المباشر على صحة الإنسان لا يزال غير واضح، إلا أن هذه النتائج تثير مخاوف من أن التلوث البلاستيكي قد يُفاقم أزمة الصحة العامة العالمية، حيث يُتوقع أن يموت 39 مليون شخص بسبب مقاومة مضادات الميكروبات خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة.

وتقدم الأبحاث الآن أدلة بشأن كيفية تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على البكتيريا، فعلى سبيل المثال، عند تعريض بكتيريا السالمونيلا التيفية، المسببة للتسمم الغذائي، لأنواع مختلفة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الناتجة عن تحلل مواد التغليف والمنتجات الاستهلاكية والمواد الصناعية واسعة الانتشار، زادت مقاومتها للسيبروفلوكساسين، وهو مضاد حيوي شائع الاستخدام، وكانت جزيئات البلاستيك الأصغر حجماً، التي يتراوح قطرها بين 0.09 و1.25 ملم، هي الأكثر تأثيراً.

المضادات الحيوية (تعبيرية - آيستوك)
المضادات الحيوية (تعبيرية - آيستوك)

تبادل جينات المقاومة

في تجربة أخرى، أدى وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المصنوعة من البولي إيثيلين والبوليسترين إلى زيادة معدل انتقال جينات مقاومة المضادات الحيوية بين بكتيريا الإشريكية القولونية، مقارنة بالبيئات الخالية من البلاستيك. كما أظهرت النتائج أن الجسيمات الأصغر حجماً، ولا سيما تلك ذات الأسطح الخشنة أو الأكثر تفاعلاً، تُحدث تأثيراً أقوى، ما يشير إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا تمثل جميعها المستوى نفسه من الخطورة.

ولم تقتصر هذه النتائج على نوع واحد من البكتيريا، إذ عمد الباحثون إلى محاكاة ظروف العالم الحقيقي من خلال دراسة تأثير الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية داخل مجتمعات ميكروبية مختلطة. وأظهرت التجارب أن التعرض لهذه الجسيمات يزيد من وفرة جينات مقاومة المضادات الحيوية وتنوعها، مع تسجيل أقوى التأثيرات للجسيمات الأصغر حجماً، وخاصة الجسيمات النانوية. كما تبين أن نوع البلاستيك يلعب دوراً مهماً في حجم التأثير؛ إذ زاد البولي يوريثان مقاومة المضادات الحيوية من فئة السلفوناميدات بنحو 20%، بينما رفع البوليسترين مقاومة المضادات الحيوية من فئة الأمينوغليكوزيدات بنحو 25%، وهي أدوية تُستخدم لعلاج الالتهابات البكتيرية الخطيرة.

يقول ني، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، إن النتائج تساعد في تفسير كيفية مساهمة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في زيادة المقاومة، فهي توفر أسطحاً تتجمع عليها البكتيريا لتكوين الأغشية الحيوية، وهي عبارة عن تجمعات لزجة من الميكروبات تلتصق بالأسطح. ويضيف: "تُقرب هذه الأغشية الحيوية أنواعاً مختلفة من البكتيريا من بعضها البعض، وهو بالضبط ما يُسهّل انتقال الجينات الأفقي"، مشيراً إلى العملية التي تتبادل من خلالها البكتيريا جينات المقاومة.

نفايات بلاستيكية تلوث شاطئ البحر (تعبيرية - آيستوك)
نفايات بلاستيكية تلوث شاطئ البحر (تعبيرية - آيستوك)

مياه الأنهار

أضاف باحثون يحللون المياه والرواسب من نهر أودر في بولندا جزيئات بلاستيكية دقيقة إلى العينات، ورصدوا التغيرات على مدى سبعة أيام و14 يوماً في ظروف مخبرية مضبوطة. أدت الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى زيادة في البكتيريا الضارة وجينات مقاومة المضادات الحيوية، مقارنةً بالعينات الخالية من البلاستيك. ففي عينات المياه، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة بكتيريا "أيروموناس سالمونيسيدا" من 2 إلى 10 في المائة بعد 7 أيام من التعرض للجزيئات البلاستيكية الدقيقة.

كما وجد فريق الباحثين أن جينات المقاومة غالباً ما تتواجد مع عناصر وراثية متحركة - وهي مادة وراثية تساعد هذه الجينات على الانتشار بين البكتيريا. ويوضح ني قائلاً: إن "جين المقاومة الموجود بجوار عنصر متحرك يكون أكثر عرضةً للانتقال".
الحد من المخاطر

يشير خبير مقاومة مضادات الميكروبات في معهد إس آر إم للعلوم والتكنولوجيا في الهند، ثانيجايفيل سوندارام، إلى مصدر قلق آخر، قائلاً إن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قادرة على امتصاص المضادات الحيوية والمعادن الثقيلة والملوثات الأخرى على أسطحها، وهذا يخلق ما يُعرف بـ"ضغط الانتقاء المشترك"، حيث تكون البكتيريا التي تحمل بالفعل سمات مقاومة أكثر عرضة للبقاء والتكاثر.

وأضاف "سوندارام" أن معظم الدراسات المتاحة أُجريت على المدى القصير وفي ظروف مخبرية، وهو ما يعني أنها لا تعكس بصورة كاملة الظروف البيئية الحقيقية. ورغم أن الأدلة التي تفسر الآليات البيولوجية لهذه الظاهرة تبدو قوية، فإنه يؤكد أن هذا المجال لا يزال يفتقر إلى دراسات وبائية واسعة النطاق، وتقييمات كمية لمخاطرها على صحة الإنسان، فضلاً عن بيانات أوضح توضح تأثير اختلاف مستويات التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة في تطور مقاومة مضادات الميكروبات.

يقول ني إنه "من المبالغة القول إن كل جسيم بلاستيكي دقيق سيولد بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية. ويضيف أنه لا يوجد حالياً سوى القليل من الأدلة على أنها تشكل خطراً على البشر.

وأوضح الخبراء ن الحد من المخاطر يتطلب تقليل كمية البلاستيك التي تدخل البيئة، في الوقت الذي أشار "سوندارام" إلى تدابير مثل تقليل استخدام البلاستيك ذي الاستخدام الواحد وتحسين إدارة النفايات وتشجيع البدائل القابلة للتحلل الحيوي. ويضيف أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي تُعد مساراً رئيسياً لدخول الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى البيئة، لذا فإن أنظمة الترشيح الأفضل ضرورية.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.