.
.
.
.

خفوا علينا

محمد البادع

نشر في: آخر تحديث:
في العمليات الجراحية، هناك من يداوي، وهناك من يخدر المريض، وهكذا في الحياة، هناك من يحفزك، وهناك من يحبط عزيمتك وينال منها، وهناك من يخدرك، ويوهمك أن الأمور لديك على خير حال، فقط لتركن إلى ذلك، وتترك ما عليك فعله، أو تؤجل عمل اليوم إلى الغد، خلافاً للحكمة المتوارثة.



ونحن في الإعلام، ندرك أحياناً ما بين السطور، ربما لأننا اعتدنا المهنة، وندرك كواليسها والكثير من أسرارها، كما نتهم أحياناً بأننا السبب في تراجع مستوى هذا الفريق أو ذاك، لأننا «دللناه زيادة» أو لأننا ضخمنا من الفريق وصنعنا هالة فوق لاعبيه، وطبعاً حين يحدث ذاك، فإنه يكون دون قصد، أما أن يحدث بقصد، وأن يكون الهدف منه وضع «مخدر موضعي» على الأحلام والآمال، فتلك هي القضية، مثلما حدث فور الإعلان عن قرعة خليجي 21 التي كشفت عن وجود منتخبنا ضمن مجموعة، ضمت البحرين صاحبة الأرض، وعُمان بطل خليجي 19، وقطر بطل خليجي 17.

فور الإعلان عن القرعة، أصبح منتخبنا وكأنه البرازيل، فهو المرشح المضمون، وهو الفريق المصون، وهو من يستطيع أن يفعل ما يشاء، ويسقط المنافسين صرعى في ساحة النزال بالبحرين في يناير المقبل، وإذا كان من يتابعون، يظنون أن الأمر جيداً وأنه في صالح منتخبنا، إلا أننا نعلم أن بواعثه ليست جميعها بريئة، حتى ولو جاءت من قنوات في دول شقيقة، ولكنها الخطة التي بدأت منذ الآن، وتتكامل مع الخطة الفنية للمدرب، وتصب في النهاية، باتجاه النيل من عزيمة لاعبينا، حتى ولو بإقناعهم أنهم الأجدر والأروع والأحلى.

في الكلام، هناك مدح بما يشبه الذم، والعكس صحيح، وكذا الأمر في الكرة، وفي تكتيكات من يخططون، وإلا فسروا لي، كيف رأى بعض المسؤولين والمحللين وبعد كل هذه السنوات مع كأس الخليج، أنه بالإمكان أن نقول قبل انطلاقة البطولة، أن ذاك المنتخب هو المرشح للقب، وألا يدركون مثلما ندرك ومثلما علمتنا التجارب أن هناك 7 منتخبات من الثمانية هي المرشحة في كل بطولة لنيل اللقب باستثناء اليمن، فكأس الخليج كان قدرها من البداية هذا التكافؤ الشديد والمذهل بين منتخبات المنطقة كافة، فمن يرجح كفة أحد على الكويت أو البحرين أو السعودية أو العراق أو عُمان أو قطر أو الإمارات.. كلهم «في الهوا سوا» .. في الفرحة متشابهون وفي الظروف متوحدون، وكذلك في الشجون.

ليس الفوز الودي على البحرين بسداسية سبباً ليتحدث الخبراء عن هذا القانون الكروي الذي أصبح كأنه واقع، فكم من مرات فزنا وأخرى خسرناها، وأتذكر في الماضي القريب تلك السداسية التي فاز بها منتخبنا على لبنان ودياً، ومن بعدها خسرنا أمامهم بالثلاثة في تصفيات المرحلة الثالثة للمونديال.

منتخبنا الذي يشارك في خليجي 21 قد يكون متوسط أعمار لاعبيه الأقل مقارنة مع بقية المنتخبات، ولعل “البعض عزف على «هذا الوتر» كثيراً، لكن منتخبنا الجديد أكبر من أن يتأثر بهذا المخدر، فأشبالنا منذ الصغر وهم يواجهون ما هو أعتى وأقوى.

أنا لا أقلل إطلاقاً من حظوظ منتخبنا، لكنني أرفض أن ينصب له أحداً هذا الفخ الذي بات قديماً، ولم يعد ينطلي على أحد، كما أرفض أن يتأثروا بالضغط، وأن البطولة من حقهم دون غيرهم.

كلمة أخيرة:

أقول للاعبينا: “نريدكم مثلما عودتمونا، تنثرون البذور ولا تشغلون أنفسكم بالثمار”، وأقول للبعض: “أرجوكم «خفوا علينا».

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.