.
.
.
.

استنساخ تجارب الآخرين

هيا الغامدي

نشر في: آخر تحديث:
انطوت صفحة كأس الخليج، وظفر كل منتخب من المنتخبات الثمانية بمحصلة ما قدمه ويتلاءم مع إمكاناته، وحجمه، وتخطيطه، وتنفيذه المهام.

الإمارات حققت اللقب بجدارة، البدايات الصحيحة المرسوم لها بتخطيط يتوازى مع متطلبات المرحلة الكروية المتصاعدة إيجابيا نحو الإنجاز، وما تمت جدولته والتخطيط له هناك يتعدى العشر سنوات.

الكرة العراقية أبلت بلاء حسنا كعادتها، حتى في أصعب الظروف التي مرت بها كانت الكرة - دائما - الوجه المضيء بالبصرة وما حولها، وهي التي تواصلت على الاستراتيجية ذاتها المعنية بالبناء، ومن ثم التصعيد مع ميزة الاستقرار الفني «التدريبي»، خصوصا مع الفئات السنية الصغيرة - النقطة المركزية للانطلاق.

حينما ننظر إلى تلك التجارب العربية القريبة، وما حدث من تطور كبير وقياسي للكرتين الشرقية الآسيوية الكورية الجنوبية واليابانية، نلمس مدى ما تفعله استراتيجيات العمل، والبناء، والصناعة، والاستثمار من فرْق واضح ونقلة عظيمة في الشرق، خصوصا اليابان.

اليابان أدركت المجد الكروي منذ عام 1992م، وإلى الآن تتصدره؛ نظير تجربة بدأت «صح»، وواصلت وتصاعدت في البناء. اليابانيون أدركوا أن «اليد الواحدة لا تجيد التصفيق بمفردها»، فعملوا على إدخال القطاع الخاص - بما يتضمنه من شركات - للاستثمار في الرياضة، وطبقوه بحذافيره احترافيا، بحيث لا تشكل الأندية عبئا على الدولة.

هناك عقول تخطط وتطبق ما تم التخطيط له، وهنا التخطيط لا يتعدى «وعودا هلامية» ما تلبث أن تتبخر أو تذروها الرياح، لماذا؟ لأنها لم تبن على أساس سليم من تخطيط وبناء وقاعدة صلبة يعتمد المخزون المستقبلي عليها.

عمل الشركات هناك لا يقتصر على الدعاية والإعلان؛ بل يتعدى ذلك ليصبح صناعة واستثمارا بشكل متكامل، حتى إن إحدى الشركات اليابانية المعروفة لنا كشرق أوسط «تويوتا» أنشأت هناك «استادا» من أفضل الملاعب في العالم.

حتى تجاربهم في صقل اللاعبين ورعايتهم، سواء بعمل الأكاديميات، أو بإرسال البعثات إلى الدول المتقدمة كرويا «الدمج»، تصادق على أن هناك عملا منظما مخططا له، ومدروسا، وليس اعتباطيا أو عشوائيا أو دعائيا.

الإماراتيون لم يحققوا اللقب الخليجي من فراغ، فمعظمهم من خريجي منتخب الشباب «8 لاعبين»، وهذا المنتخب صعد إلى الدور الأول بمعية الوطني مهدي علي، بميراث كبير قوامه كأس آسيا للشباب 2008م، والتأهل للدور ربع النهائي في كأس العالم للشباب 2009م، وفضية الآسياد في آسياد «غوانزهو».

الشاهد أن الجيل الإماراتي الحالي الشاب، تصاعد بالإنجاز إلى الأول، ساعدهم على ذلك الاستقرار الفني، وخطة العمل الطويلة، والصبر، والتحفيز، والثقة.

مشكلتنا ليست في الأسماء أو المناصب، الإشكالية المزمنة في التخطيط أو بالأحرى «العقول» التي تضع التخطيط الاستراتيجي للمهام، وتنفذها. كل ذلك انعكس على بناء «القاعدة» التي هي أساس كل بداية سليمة وصحيحة.

أسألكم بالله: ماذا حقق منتخبنا للناشئين، أو الشباب، أو الأولمبي من إنجازات خلال السنوات الأخيرة الماضية لـ«نعتب» أو نفاجأ بمخرجات المنتخب الأول؟! فالأخطاء والإخفاقات أصبحت كالعدوى المرضية، تحتاج إلى علاج ناجع، يبتدئ من نقطة الصفر؛ لبناء الصناعة منذ وقت مبكر.

استقطاب شركات القطاع الخاص للعمل في البيئة الرياضية مسؤولية يشترك فيها الجميع، بما فيهم الأندية نفسها ومسؤولوها. الرعاية لا تكفي، و«الانتقاء» لا يكفي، ففي دوري ركاء ما يستحق أكثر من ذلك من مستويات وأسماء.

ليس العيب في استنساخ تجارب الآخرين؛ ولكن العيب في المكابرة، والاستمرار على الأخطاء الأزلية المشتركة ذاتها، والمنتج واحد.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.