إياكم أن تذهب ريحكم

بدرالدين الإدريسي
بدرالدين الإدريسي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ما بين خليجنا العربي ومحيطه تجري كالوديان الدماء وتتدفق كالشلالات مياه الفكر وعلى طول الواحات تتعانق الحضارات شاهدة على مجد تليد وحاضر متهيب من تحديات عصره، تصل بيننا أشياء كثيرة نحن العرب، العرى والوشائج وصلات الدم والعرق، ولكن يفرقنا هَم البحث عن الذات ويباعد بيننا نزوع كل نفس إلى الانتصار لكبريائها، أبدا لم يسجل التاريخ الحديث إلا نادرا أن العرب وقفوا في خندق واحد للدفاع عن هوية وعن كتلة هي الأقوى عراقة وترسخا بين كل الكتل المستنسخة بين بني البشر.

حثني على هذا الاعتراف الموجع، ما هو اليوم مثار نقاش وتجاذب وخصام أحيانا في المسرح الكروي العربي الآسيوي، بترشح كل من الإماراتي يوسف السركال والبحريني سلمان بن إبراهيم والسعودي حافظ المدلج لرئاسة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم خلفا للقطري محمد بن همام الذي تدين له الكرة الآسيوية بالشيء الكثير والذي جرى للأسف إقصاؤه بشكل ممنهج سكت عن عاره كل عرب آسيا.

لو نحن انطلقنا من أن قرار الترشح لشغل منصب رئاسة مؤسسة كروية ذات قيمة كبيرة في محيطها القاري ثم العالمي هو قرار سيادي يكفله القانون ويقوم على مبدأ الكفاءة والأهلية، فإننا لابد أن نحترم في كل الذين توسموا في أنفسهم القدرة على كسب الرهان القاري رغبتهم في طلب هذه المسؤولية الثقيلة التي تُحمل صاحبها أمانة مزيد من تطوير الكرة الآسيوية لردم الهوة التي تفصل الكرة الآسيوية بنيويا وفنيا عما عداها من القارات الأخرى.

أما إذا انتصرنا لقيم العروبة القائمة على وحدة الصف والمصير بلا أدنى مزايدة وارتكزنا على ما تتطلبه اليوم معارك من هذا العيار للإبقاء على رئاسة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم في خيمة العرب فإنه من الضروري أن نبرز قلقنا حيال هذا التشتت وعدم التوافق والانحياز بشكل غارق في الأنانية للذات لنصبح في النهاية أمام ثلاثة مرشحين عرب، مهما فعلوا ومهما استقطبوا من أصوات ومهما استمالوا من دول في قارة آسيا الفسيحة فإن الحقيقة العارية من كل مساحيق تقول بأن العرب رضوا بأخطر وأصعب ما في الحلول وقد لا نتفاجأ في ظل هذا التشرذم وعدم الانصياع لصوت الحكمة والمنطق أن تنأى رئاسة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عن المرشحين العرب وتذهب إلى من توحدت حوله دول شرق آسيا في رسالة واضحة وصريحة وعامرة بالقيم.

وبالقدر الذي أعرف وعورة أي مسلك يمكن أن يدخله كل من تحثه النخوة العربية المصادرة أولا والمصلحة العليا التي لا تأخذ بالنرجسيات ثانيا لتوحيد الجبهة وتشكيل العصبة التي لا مناص منها لربح المعركة الضارية، لصعوبة الالتفاف حول مرشح عربي وحيد لرئاسة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، بالقدر الذي يؤلمني أن يتمادى العرب في هذه الفرقة المصدرة إليهم من قوى تعرف أن مصلحتها هي في تفرق العرب وعدم توحدهم على كلمة سواء، فرقة ستضيع عليهم فرصة تاريخية لفرض أنفسهم سادة لقارة الأمل، فرقة سيندمون عليها عندما يقفون على حقيقة مرة وصادمة، حقيقة أن ريحهم ذهبت وأن مصيرهم الكروي أصبح بيد غيرهم.

والمضحك المبكي في كل هذا أن قارة آسيا التي يتنافس ثلاثة عرب بطريقة لا يستحسنها أحد على منصب القرار، لا تمت بصلة في غرابة السباق نحو كرسي الرئاسة للقارة الإفريقية، فهناك أذعن عرب إفريقيا لحقيقة أن رئاسة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أصبحت صرحا من الماضي، فليس هناك أدنى اعتراض على أن يمد الكامروني عيسى حياتو في عمر قيادته للكاف لأربع سنوات أخرى وهو من تقلد المنصب سنة 1988.

ليس في هذا التواكل لعرب إفريقيا الذي يصل حد الخنوع والرضا بالقدر والمصير إلا دليل على ما قلته ذات مرة من أن الكرة العربية من محيطها إلى خليجها من آسيا شرقا إلى إفريقيا شمالا، لا تنتج قيادات رياضية وازنة بمقدورها أن تصل إلى مراكز القرار الرياضي، وحتى إن وصل القليل القليل منها لا يكون محميا أو منصورا من بني العرب ظالما أو مظلوما، وتلك حكاية أخرى.

نقلاً عن صحيفة"استاد الدوحة.نت"القطرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.