.
.
.
.

فاتحون لا مستعمرين

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

يأسرنا من فرط الإعجاب ما يحدث اليوم داخل نادي باريس سان جيرمان من تجسيد رائع على أرض الواقع لملحمة كروية كل من شاهدها ذات وقت على المجسمات قال بأنها ضرب من الأوتوبيا، ويصيبنا بالدهشة هذا الذي تغير بنادي مانشستر سيتي الإنجليزي في ظرف زمني قياسي وكأني بهذا النادي اختزل عصورا كثيرة ليعيد بناء الصرح الذي كان في طريقه للتهاوي داخل مدينة ترتفع في ناصيات شوارعها ألوان الغريم مان يونايتد، ويأخذنا الإعجاب من الوصفة السحرية التي حولت في أمد زمني قصير نادي مالقا الإسباني من ناد يسكن جحرا مظلما في الليجا إلى نادي يجاري السواعد الكبرى محليا وأوروبيا وقد أصبحت له لؤلؤة جميلة تتوسط عقد الألماسات.

نعجب ونندهش ثم نتباهى أخيرا أن من نحت هذه التضاريس الجميلة ومن أخرج أندية باريس سان جيرمان الفرنسي ومانشستر سيتي الإنجليزي ومالقا الإسباني من أطلال متداعية كانت الجماهير تقف عندها باكية ومفجوعة إلى حدائق تفتح الشهية للحلم وللحياة هو فكر عربي متنور، خلاق ومبدع، قد يكون أتى في زمن عصيب يعيشه الاقتصاد الأوروبي والعالمي بسيولة مالية حركت الهمم وحفزت على الإبداع، ولكنه جاء بالأساس بمنظومة رياضية متكاملة ومتطابقة هادفة إلى الربح المعقلن أكثر ما هي هادفة إلى الشهرة والاستئثار بأضواء الإعلام.

شخصيا، رصدت ما كان من ردود فعل بعد دخول الرساميل العربية، الخليجية تحديدا إلى كرة القدم الأوروبية وإلى مسارح بعينها جرى انتقاؤها بعد دراسات متأنية وعميقة، وأمكنني أن أعبر ما كان من مسافات نقدية بين التلميح إلى خطر الاقتحام الاقتصادي الشرق أوروبي والآسيوي لكرة القدم الأوروبية وبين استنكار لربط مصير أندية هي معاقل كروية عتيقة في القارة العجوز بمؤسسات تجارية مملوكة للعرب، كان هناك ما يشبه الكيل بمكيالين وهو أمر مفهوم وله علاقة برفض الفكر الأوروبي لأي نوع من التبعية اقتصاديا للعرب، إلا أن ما كان من نجاحات مبهرة لهذه الأندية المملوكة لمؤسسات اقتصادية عربية في آماد زمنية قياسية وقصيرة قلب الصورة بالكامل، فمن التحفظ المخلوط بالاستخفاف وبالتهجين إلى التهليل بالنجاح الأسطوري لكل هذه المشاريع التي جرى تصميمها بفكر عربي خالص.

بالأمس كنت متابعا لما تداعى من نقاش وتقييم للإنجاز الرائع الذي وقع عليه نادي باريس سان جيرمان وهو ينتمي فعليا لأفضل ثمانية أندية في أوروبا بوصوله للدور ربع النهائي لرابطة أبطال أوروبا بعد إقصائه لفالنسيا الإسباني، ووجدت ما قلب البوصلة وما غير زاوية الرؤية وحتى منطق إصدار الأحكام، فقد تبين للكل أن نادي باريس سان جيرمان قام في الثورة التي أحدثها داخل كيانه على منظومة رياضية مصممة بدقة وبمقاربة موضوعية لا يمكن أن يكون الصبيب المالي هو كل شيء فيها، صحيح أن أموالا كثيرة رصدت من أجل استقطاب النجوم المنتقين بعناية فائقة، ولكن هذا النجاح الكبير الذي يتحقق اليوم للمشروع الباريسي حتى أن أهدافا كانت مبرمجة لسنوات قادمة وصل نادي باريس سان جيرمان إليها يقول بصدق وسلامة الرؤية، حتى أن الإعلام الأوروبي الذي تحفظ ذات وقت على الدخول العربي للقلاع الكروية الأوروبية العتيقة هو من يقول اليوم بضرورة عولمة هذه الرؤية.

قبل مباراة باريس سان جيرمان وفالنسيا التي مثلت للفرنسيين حدثا تاريخيا بحكم أن أمير باريس لم يكن قد بلغ الدور ربع النهائي لرابطة الأبطال الأوروبية منذ 18 سنة، كانت العلاقة بين الإعلام الفرنسي وإدارة باريس قد تصدعت على خلفية تصريحات مستفزة أطلقها المدير الرياضي البرازيلي ليوناردو قال فيها بأن النادي الباريسي مهتم أكثر برابطة الأبطال أكثر من الدوري الفرنسي على خلفية الخسارة أمام نادي ريمس، وكان ضروريا لإطفاء النار التي اشتعلت وإسكات الأفواه التي نطقت بالتراهات أن يخرج ناصر الخليفي في أعقاب المباراة أمام فالنسيا ليصحح العطب بلغة موليير وللتدليل على أن المؤسسة القطرية تقمصت المشروع بالفكر وبالانتماء العاطفي قبل أن تتبناه بأبعاده التجارية، وهذه لعمري أجمل الإشارات وأقوى التفسيرات للبعد الجمالي والإنساني والرياضي قبل التجاري الذي يقوم عليه المشروع العربي في كل المعاقل الكروية التي دخلها العرب فاتحين غير مستعمرين، مطورين لا قاطعين للجذور ولا ماسخين للهوية.

نقلاً عن صحيفة"ستاد الدوحة.نت"القطرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.