.
.
.
.

رجل العسّة.. يحرس أحياء مكة بكشاف وعصا غليظة

استُبدل اليوم بالدوريات الأمنية التي تراقب الأحياء بالسيارات على مدار الساعة

نشر في: آخر تحديث:

تحت جُنح الظلام وهدوء المكان تكاد لا تسمع سوى صوت صرير الليل تعلوه صافرة تبعثُ الأمل وتبثُّ الأمنَ والطمأنينةَ في نفوسِ سكان الحيّ، يجوبُ الأزقة ذهاباً وإياباً ويعُسُّ الحارة عسّاً متفقداً مداخلـَها ومخارجَها، عين ساهرة لعيون نائمة ملء جفنيها، ليس هذا الصوت سوى رجل العسة.

رجل العسة عبدالرحمن الياسي يصف دوره وعمله وتجواله ويضيف أن لديهم توقيفاً مصغراً داخل الحي للمتجول المجهول حتى الصباح ويتلخص عملهم في القبض على المشتبه به، وإبلاغ الشرطة لتتولى دورها وتستلمه للإجراءات والتحقيقات الرسمية.

ورغم أهمية رجل العسة في حماية الديار والأسواق والممتلكات، إلا أنه لا يحمل أسلحة حماية متطورة آنذاك، لكنه مدجج بروح العمل الخالص ووسائلَ بدائية، تساعده على إتمام عمله، وقد يُصبح محل إعجابِ أهالي الحي عند إتمام مهمةٍ كبرى.

ولا يختفي لحظة عن ذاكرةِ المكيين أو حتى بعضِ مدن المملكة الأخرى مشهدُ رجلِ العسة وهيبتُه ووَقاره، فهو بالمرصاد متوثبٌ لكل قدم ٍغريبة تجوبُ الحي في ساعة متأخرة من الليل، يبدأ باستيقاف صاحبِها وسؤاله وتمحيصِه حتى يطمئنَ ويُخلي سبيله، أو يحوّله إلى الجهة المختصة.

المواطن عبيد العماش عاصر أيام انتشار رجال العسّة في الأحياء المكية في السابق، وقال: "رجل العسة نحبه ونثق به ونؤمنه على بيوتنا"، وأشار إلى أن البيوت في السابق كانت مبنية بناءً شعبياً بسيطاً، وحوائطه قصيرة، ومن السهل تجاوز حيطانها القصيرة.

المقدم عبدالمحسن الميمان، الناطق الإعلامي لشرطة العاصمة المقدسة، قال إن رجال العسة تحولت أدوارهم اليوم إلى مساعدين للعمدة في كل حيّ، بعد انتهاء العمل بنظام العسّة، واستعيض عنه بالدوريات الأمنية ورجال الأمن الذين يتجولون في الأحياء بسياراتهم على مدار الساعة.

رجل العسة عبدالرحمن الياسي يقول إنه أسهم في حلّ عدد من القضايا، كان أبرزها حيث قبض على قاتل وكتّفه وربطه حتى وصلت الشرطة وتم اعتقاله، وكان القاتل قد ابتلع حبوباً مخدرة وفي حالة هيجان، ولم يكن في وعيه.

ويظل رجل العسة جزءاً من نظام أسرة الحيّ ونسيجِها الاجتماعي، فهو لا يبتعد عنهم كثيراً، وسرعان ما ينخرط بينهم ويشاركُهم أفراحَهم اليومية ومناسباتِهم التي تقام أحياناً في ساحةِ الحارة، وله احترامُه وتقديرُه عند الجميع، فهو يعمل لأجلهم ويفرح لفرحهم، أما في وقتنا الحاضر فقد تلاشت تلك الذكرياتُ وأحيلت مهنة العسس إلى التقاعد وإلى غيرِ رجعة.