.
.
.
.

قسماً بالله

منيرة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

في كل كرة مشتركة ينجم عنها سقوط أحد اللاعبين نسمع صرخة الآخر ونرى شفتيه والكاميرا مسلّطة على الحدث، وهو يقول بصوت عالٍ وانفعال واضح: والله ما لمسته... وقسماً بالله ما جيته..! على رغم أن ما شاهدناه عكس ذلك تماماً، ولكن المخطئ عادة يعتقد أنه بهذا «الحلف» و«اليمين» المتكرر سينجو من العقاب أو على الأقل يخففه، فهذا الذي يحدث في الملاعب يسمى في عرف الجميع «كذباً»، ويزيده قبحاً استسهال «الحلف بالله» وتكراره على ألسنة غالبية اللاعبين، فلا تكاد تنتهي مباراة من دون أن يحلف الجميع أنهم أبرياء أكثــر من مــرة.
الأمر تطور ولم يعد قاصراً على اللاعبين، بل امتد ليشمل الحكام ورؤساء الأندية وبعض الإعلاميين، فكل من تورط في أمرٍ ما أسهل ما يجري على لسانه أن يقول: «أقسم بالله ما حصل، ويميناً بالله لم أفعل..»، وكل من أراد أن يسبغ على نفسه صفة الصالحين الأتقياء جعل الله عرضة ليمينه، بل إن بعضهم أصبح يقسم على توافه الأمور، فاختلط الحابل بالنابل، ولم يعد يعرف الصادق من الكاذب، فبعد أن كنا على يقين لا يقبل الشك أن من يقسم بالله صادق، وأنه «ليس وراء الله للمرء مذهب»، بتنا الآن في شك من ذلك، ويبدو أننا سنغير هذه القناعات، فما حدث خلال الفترة الماضية وما شاهدنا وقرأنا ينبئ أن الجميع وقع في الفخ وهوى في منحنى خطر، ناسين أو متناسين أن القسم بالله أكبر من أن يستخدم في كرة القدم، ولأجل أمر دنيوي لا يقدم أحياناً ولا يؤخر، لكنه حدث للأسف «لاعب يقسم وفي بادرة خطرة على المصحف الشريف أنه لم يقم بفعل مشين بالبصق على حكم المباراة»، ثم تتواتر أنباء عن الرغبة في إخضاع الحكم للقسم فيتضامن الحكام مع زميلهم ويهددون بالاستقالة إن أجبر زميلهم على «القسم»، ورئيس نادٍ يقسم أنه لم يتلقَّ اتصالاً على هاتفه من مسؤول، والمسؤول يقسم أنه فعل..! ولاعب يقسم أنه ما رأى فلاناً ولو رآه ما عرفه، وتثبت الوقائع أن ذلك غير صحيح.... وإعلامي يسخر أو «يلفق» أخباراً ثم يقسم أن حسابه مخترق، ولا علاقة له بما كُتِب..!
هذا الموسم كانت كلمة «قسماً بالله» هي أكثر الكلمات تداولاً في الصحف والبرامج الرياضية وفي البيانات الإعلامية، وهو تداول سيئ ليس له إلا تفسير واحد، هو أن الكاذبين كثر، والحقيقة مغيبة والستار «قسماً بالله».

*نقلاً عن "الحياة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.