.
.
.
.

ابن مساعد وخريطة الطريق

بتال القوس

نشر في: آخر تحديث:

منذ إعلانه في عام 1994، أعاد نظام الاحتراف في كرة القدم السعودية، ترتيب الأندية وكسر المعايير السابقة الجاذبة للاعبين والإعلام وأهمها الشعبية. ومع مرور سنوات على تطبيقه بدأت خريطة رياضية جديدة في التشكل، وأصبح المال اللاعب الأهم في تقدم النادي أو تأخره.

غابت أندية عن الواجهة وتقدمت أخرى، وعززت ثالثة مواقعها في البطولات والتأثير والشعبية. ناد مثل النصر لم يحقق إلا ثلاث بطولات محلية منذ إعلان الاحتراف اثنتان في أول عامين من النظام الجديد، وتراجع كثيرا إلى الخلف بعدهما، آخر مثل الاتفاق اختفى الذهب تماما عن خزائنه وهو الذي حقق بطولتي دوري في ثلاثة أعوام في زمن الهواية، فيما ظهر على السطح مارد أكل الأخضر واليابس هو الاتحاد مدعوما بميزانيات مليونية يختفي تحتها أي خطأ إداري، وهذا لا يغفل أن أندية مثل الهلال والشباب حققت توازنا في النتائج بين مرحلتي الهواية والاحتراف، وإن كان الثاني برز أكثر في الثانية مقارنة بحضوره أيام الأولى.

عندما أعلن نظام الاحتراف السعودي، ظهر أعرج، مزج الهواية والتطوع في الإدارة، باحتراف اللعبة لمحركها الأول وهو اللاعب، فخرج في قالب مشوه، وأصبح المشهد ينطق بقول بشار بن بُرد:

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم... قد ضل من كانت العميان تهديه.

ولا أقصد بالعميان هنا الأشخاص، بل النظام نفسه المحرك لهم.

تجاهل نظام الاحتراف السعودي في بداياته، أن مخرجات كرة القدم هي نتاج الفكر الإداري الرياضي بالدرجة الأولى، وسارت عربة الاحتراف في اتجاه واحد فقط، وتم تعطيل الاتجاه الثاني متيحا الفرصة للانتهازيين بلعب دور البطولة المطلقة، والسير بالعربة في مغامرات غير محسوبة.

غياب القانون الإداري المنظم للعمل في الإدارة الرياضية داخل الكيانات الرياضية، دعا أندية مثل الأهلي إلى سن أنظمتها الخاصة بجهود فردية، ومحاولة خلق توازن بين الإدارة المحترفة واللاعب المحترف، وبدأ يجني الثمار وإن تأخر وقت الحصاد.

كل هذه المعطيات أعلاه، غيبت أي معايير للتفوق غير المال، بل إن أحدا لم يسأل من أين يأتي هذا المال المسرف والمعدوم في آن واحد؟، وهي حال سمحت بتكوّن الطبقية في الأندية، أندية غنية تجتذب اللاعبين، وأندية فقيرة تكتفي بصراع البقاء وتمارس دور حاضنات البيض، وأخرى في الوسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهي قاعدة، حتى وإن كسرها الفتح هذا العام، وهو استثناء مبشر لكنه غير مضمون الاستمرارية.

.. هذه المعطيات أيضا أسست لثقافة المال أولا لدى اللاعبين أنفسهم، ولا يلامون، وانعكست بالتالي على المنتخبات الوطنية، وساد شعور داخلي: لماذا يرهق اللاعب نفسه والهدف الأول من وجوده على المسرح قد تحقق، والإنجاز لا يساوي شيئا في مقابل المال؟

.. المشهد المتداخل والمقلوب في معاييره يحتاج إلى خطوة مفصلية، تاريخية، تعيد ترتيبه، وتقننه، وتضع له خريطة طريق جديدة، وها قد ظهرت، في ألف ورقة قدمها عبد الله بن مساعد وفريقه المكلف بتخصيص الأندية، فإما أن نتقدم بها خطوات تعوض توقفنا في السنوات الماضية، أو نبقى رهائن للشكوى والقيل والقال وغياب النظام.

مشروع بن مساعد، مشروع وطني طموح، يستهدف تنظيم هذه العشوائية المزعجة التي تضم الشريحة العريضة من المجتمع، ويحتاج إلى آذان صاغية من الحكومة أولا، بل إن عبد الله وفريقه أحرجوا الحكومة نفسها، وقالوا دون أن ينطقوا: يا حكومة.. هل أنتم جادون؟ إن قالت الحكومة: نعم. فهذا هو الحل بين أيديهم، إن قالت: لا، فهي تقول لنا جميعا: رياضتكم ملهاة، ومضيعة للوقت فقط.. فقط.. فقط.
نقلاً عن "الاقتصادية"السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.