.
.
.
.

همسة رياضية

سلمان الحايكي

نشر في: آخر تحديث:

في الحياة الرياضية مجموعة أنظمة لا يمكن للإنسان الرياضي أن يسيطر عليها كلها دفعة واحدة ما لم يكن مثقفاً رياضياً بالفطرة لأن ثقافة الفطرة هي التي تحدد قدرة الإنسان الرياضي على مواجهة الحياة، كل الرياضيين الذين نسيناهم أو خرجوا من أدمغة التاريخ الرياضي لم يكونوا رياضيين بل كانوا ضيوفاً طرقوا باب الرياضة وعندما استقبلتهم الرياضة واستضافتهم لمدة ثلاثة أيام وبعد هذه المدة غادروا الحياة الرياضية من دون أن يتركوا بصماتهم عليها، القليلون من هؤلاء ودعناهم وشعرنا بالحزن العميق عليهم لأنهم بالفعل موهوبين لكن ثقافة الفطرة هي التي كانت تنقصهم ولو كانوا في إبان حياتهم سألوا أو أجهدوا أنفسهم ولو بشيء من الرغبة في الفهم لتركوا العديد من البصمات على أرض الحياة الرياضية.
في وطننا العربي الكبير مئات بل آلاف من الرياضيين سواء أكانوا من الإناث أو الذكور غادروا الحياة الرياضية ومع مرور الوقت والزمن نساهم التاريخ ولم يكونوا ضمن مدونته لأنهم كانوا يفتقدون ثقافة الفطرة الرياضية، الكثيرون الآن يتباهون بالثقافة الرياضية ومنهم من يحاول أن يدخل مدينة الأقوياء بالعنوة والقوة وهذه المدينة أبتكرها صاحب هذا المقال لأنه صنع في يوم من الأيام بمدرسة الخميس الابتدائية للبنين في منتصف الثمانينيات لوحة جميلة كتب عليها عبارة (الرياضة مدينة الأقوياء) ولما سألوه: من هم الأقوياء؟ قال لهم: من يدخل هذه المدينة وألحُّوا عليه من هم وقال: المفطورون أي الذين يتمتعون بالفطرة الرياضية.
أنظر إلى ملايين الرياضيين حول العالم ومن الجنسين لن تجد من بين هؤلاء الملايين إلاّ عدد قليل من المفطورين الذين خُلقوا من أجل الرياضة ولم تُصنع الرياضة من أجلهم وهنا استوقفني واحد من المدرسين الزملاء في نفس المدرسة وقال: لماذا تقول خُلقوا من أجل الرياضة ولم تُصنع الرياضة من أجلهم فما الفرق بين الخلق والصناعة؟ هذا هو السؤال الدقيق الذي يُحدد ما نرمي إليه لأن المفطورين هم الموهوبين الذين تجاوزوا مسألة أن يكونوا أدوات في المصانع الرياضية سواء أكانت مدارس أو جامعات أو أندية فهم يخرجون من بطون أمهاتهم جاهزين بالفطرة ليكونوا رياضيين وسوف تلاحظ على وجوههم سيماء الرياضة ولا يمكن أن تشك في انهم دخلاء عليها.
إن الفطرة تخلق في هذا المخلوق الشكل والجوهر إذ لا يمكن أن تُصدق مخلوقاً قصير القامة يمكنه أن يقفز أو يثب أعلى من قامته ولا يمكن لشخص بدين أن يتدحرج في الجمباز ويكون بطلاً في السباحة ولا يمكن لبطل المسافات الطويلة في الجري أن يكون ممتلئاً لحماً وشحماً ولا يمكن لغبي العقل أن يدخل مدينة الأقوياء لأن هذه المدينة صُنعت لأصحاب الفطرة في كل مجال رياضي والقوانين الوضعية الرياضية تسمح باستضافة الكثيرين مدة ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع لا تجد لأقدامهم أثراً، قال المفكر والروائي الشهير ليو تولستوي: تركت الرياضة في شبابي وتركتني في شيخوختي فالرجل لم يكن أصلاً من المفطورين عليها وهو مثل ملايين غيره يجد نفسه في حوض السباحة ويطلب من الآخرين إنقاذه من الغرق.

نقلا عن "أخبار الخليج" البحرينية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.