متلازمة الروح
في الماضي كان الكاتب يكتب من دون أن يفكر في الكتابة نفسها من حيث حضورها, كان يستعملها مثل سائر الأشياء التي يستعملها من دون أن يلتفت إليها في ذاتها، أو ينتبه إلى وجودها الذاتي.
كانت الكتابة كالزجاج الذي ينظر منه إلى ما وراءه, دون أن يشغل نفسه بالزجاج الذي يرى به قبل أن يرى ما وراءه. وكانت الكتابة كذلك للقارئ مجرد سطح شفاف لا تتوقف عنده العين قبل أن تعبره إلى ما وراءه، و لا يلتفت إليه الذهن قبل أن ينزلق إلى ما بعده.
وكنا نسمع بين الحين والآخر من يشكو عجز الكلمات. ومن قصور الأدوات في الأداء، ومن تأبى الحوامل فيه على دقة التوصيل، كان أمثال النفري من المتصوفة يتحدثون عن العبارة التي تضيق إذا اتسعت الرؤية. و كان أمثال طه حسين يؤكدون أن "الألفاظ أقل عدداً و أضيق نطاقاً من المعاني التي لا تحصى، وأمثال ميخائيل نعيمة يشكون من نقص اللغة البشرية أداة للإفصاح عما يجول في النفس. و لم تفارق الشكوى مفهوم الأداء في الأعم الأغلب" (د. جابر عصفور، آفاق العصر).
.. كان من الضروري حقا الاستعانة بكلام الدكتور عصفور، قبل الشروع في مقال اليوم، ولأجل سبر "كهنوت" الفكرة التي ارتكز عليها المقال، والتي تقصر الألفاظ دون بلوغ معناها على وجه الدقة. تلك الفكرة تحاول الوقوف أمام "زجاج" ما اشتهر باسم "الروح" الاتحادية، متخلية عن البحث فيما وراء هذا الزجاج أو الروح، فقد وصلت أنباؤه من خلال "النتائج الإيجابية" التي يحققها الفريق الاتحادي، في محطات مختلفة من مسيرته عبر التاريخ. و السؤال المطروح، لماذا مثل هذه "الروح " انفرد بها الاتحاد أو على الأقل "تفوق" بها عن بقية أندية السعودية؟!
هناك أندية يخلقها التاريخ، وتكتفي من هذا التاريخ، في سعيها لمحاولة إثبات وجودها أن توثق لتاريخ تأسيسها عبر شعار النادي. بينما في المقابل هناك أندية تخلق تاريخها بنفسها، والاتحاد أحد هذه الأندية، ومع مرور الأجيال المتعاقبة فيه، امتاز ذلك التعاقب بتناول كل جيل اتحادي جديد، لـ "روح" الاتحاد من سلفه، هي كيمياء اتحادية خالصة، تفاعلت معها الأجيال الكروية، طوال التسعين عاما الماضية، ومثل تلك "الروح"، هي من خلقت تاريخا هو باختصار "حاصل الإمكانات التي تحققت" حتى اليوم في هذا النادي العريق.
كثيرون من أنصار الاتحاد و غير الأنصار، يستشعرون وجود مثل تلك الروح "الخفية, والظاهرة"، المصاحبة للاتحاد عبر السنوات، وكانت المشاهدات الحية عقب إطلاق صافرة النهاية للمباراة الختامية على كأس الملك، والتي توج بلقبها الفريق، تبرز آخر ظهور واضح لمثل هذه الروح، ما بين دموع "سبينوزا الاتحاد" سعود كريري الذي كان يجهش بالبكاء فرحا بالبطولة، إلى دموع القائد أسامة المولد، الذين حين سأله المراسل عن سر هذه الدموع، أجاب :" أنت لم تعش في الاتحاد، لو كنت عشت فيه لعرفت سر هذه الدموع"، أظنها إجابة تغني عن ألف تعليق. بينما محمد بوسبعان يقال له هل ستترك الاتحاد؟! فيقول: " لن أترك الاتحاد، جذوري اتحادية"، هذا ما يقوله بوسبعان في عصر الاحتراف .!
حسنا هل أضيف مثالا آخر من خارج منظومة الفريق، في داخل منظومة "العشق"، هو ذاك الشيخ الوقور، الذي تقارب سنون عمره، سنوات عمر ناديه الذي يشجعه، والذي أخذ "يرتجل " شعرا في معشوقه، بعد المباراة مباشرة في أحد البرامج التلفزيونية، انتبهت من شعره ذاك قوله: "يا عميدا من شبابي لي مشيبي وأنا أجري وراك". إذا هي روح صبغت هوية الاتحاد، وأنتجت تكوينا نفسيا مشتركا بين أفراد الفريق الواحد، في النادي الذي يحمل شعاره رمز الرقم "واحد"، روح تزرع وتنمو في نفوس هؤلاء الأفراد، مع كل يوم جديد يقضونه بين جنبات النادي العميد.وأغلب الظن أن أحد الأسرار العظيمة لوجود هذه الروح في الكيان الأصفر، هي إيمان كل اتحادي بأن اتحاده عبارة عن "عشق متاح"، لو نازعتهم إليه "يدٌ طولى" لبترها العشاق في ذات اللحظة التي يرددون فيها أهزوجة "نادي الشعب" وعلى مدى الزمان حظي كل اتحادي بموقعه الأصيل كجزء من فسيفساء الاتحاد، تلك الفسيفساء التي تترجم في النهاية معنى كلمة "نحن", دون اعتبار لأي "أنا" في النادي الكبير. فتلك الروح لها مع الاتحاد "نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى" لأصالته.
بعد هذا كله يتضح لنا أن الاتحاد وأنصاره مصابون بـ "داء" شخصه النقاد تحت مسمى "متلازمة الروح"، لكن بلا شك هو داء جميل و "صحي".