الخطيئة والفضيلة
الخطأ وارد، ولا أحد معصوم من الخطأ، والقول المأثور “من لا يعمل لا يخطئ” معناه حاضر في كل مجالات العمل، ولكن تبقى مسألة التعلم من الخطأ، لتجعل من الخطأ أيا كان خطوة على طريق الصواب وتصحيح المسار، ولذلك لا تكتمل حكمة هذه العبارة إلا بجملة أخرى تقول “ومن لا يخطئ لا يتعلم”، فوقفة التقويم للتعلم من الخطأ هي التي تصقل صاحبها وتجعله صاحب تجارب وخبرات مهمة .
هذا المعنى قفز إلى ذهني، بعد أن طالعت تعقيب الحكم الدولي السابق محمد عمر رئيس لجنة الحكام على كم وكيف الأخطاء التي شهدتها مباريات الأسبوع الثاني من دوري الخليج العربي لكرة القدم، فمن حيث “الكم” كان بين أيدينا أخطاء في 5 من 7 مباريات، ومن حيث “الكيف” كانت الأخطاء من النوعية المؤثرة في نتائج المباريات ومواقف الفرق، ولكن وكما نردد دائماً “ربنا ستر” ولم تحدث احتجاجات أو موجات غضب عالية، فمرت عاصفة الأخطاء “الفظيعة” بسلام، وفي تقديري أن السبب الرئيس لهذه الحالة المثالية جداً في ردة الفعل تجاه أخطاء التحكيم، أننا مازلنا في الأسبوع الثاني من المسابقة، والمواقف التنافسية مازالت في مرحلة البناء، إنما لو كان نصف هذه الأخطاء، أو حتى واحد فقط من عينتها قد حدث في الدور الثاني للمسابقة لقامت الدنيا ولم تقعد، لأن النقطة حينذاك سيكون لها ثمنها الباهظ جداً إن لم يكن بالنسبة إلى القمة واللقب فبالنسبة إلى المؤخرة والهبوط .
بين أيدينا حالات أهداف لم تحتسب، وأهداف تم احتسابها بغيرحق، وضربة جزاء غير صحيحة، ولا أريد في هذه الوقفة أن أفرق بين حكم ساحة وآخر، أو حتى بين حكم الساحة والحكم المساعد، فالكل في خندق واحد، ودعونا نتفق بالنسبة إلى سلك التحكيم بالذات على حقيقة “أن الخطأ يعم والحسنة تخص” بمعنى أن الخطأ الذي يحدث أياً كان صاحبه يمس الحكام كلهم، فيقال التحكيم سيئ أو بطال، بينما إذا أجاد حكم ما وتفوق على نفسه في مباراة سيذكر بالاسم ويقال فلان الفلاني كان رائعاً في المباراة الفلانية، وهذه الملحوظة لن نختلف عليها .
الذي أعجبني في كلام محمد عمر، تمتعه “بفضيلة” الاعتراف بالخطأ، واقتناعه بأن الأخطاء التي حدثت فادحة وتستوجب وقفة ومراجعة لأصحابها، ولا يجب أن تعنينا كيفية المساءلة والعقاب، ولكن المهم كما أسلفت أن تتم المراجعة والتقويم الداخلي بشكل صارم حتى تتم الاستفادة من تلك الأخطاء فلا تتكرر في المستقبل، الذي اتفقنا، على أن مبارياته لن ترحم أحداً، ولن تسمح بالتسامح الذي حدث الآن .
أذكر للكاتب الكبير أنيس منصور، يرحمه الله، قوله في إحدى مقالاته “أخطاء الكبار خطايا، وخطايا الصغار هفوات” وكان ذلك في مقام التفرقة بين الكبار والصغار عندما يرتكب أحدهم خطأ ما، وأتصور أن المهم في مسألة الأخطاء وحدوثها ألا تكون هناك مكابرة، لأن مع المكابرة والعزة بالإثم، سيصبح الخطأ خطيئة، والإثم ذنباً لا يغتفر .
نقلاً عن "دار الخليج" الإماراتية