ألغاز مصرية
كل الأشياء في مصر تبدو غريبة هذه الأيام والمزاج العام للمصريين يخرج عن كل التوقعات وبه كل التناقضات فالبلد الذي يعاني من مشكلات سياسية بالجملة عاشها عبر الشهور الطويلة الماضية منذ ثورة 25 يناير يظهر وكأنه طلق السياسة بالثلاثة وتفرغ للشأن الرياضي وكأنه مل لحد القرف من برامج «التوك شو» التي توصف الحاضر وتتنبأ بالمستقبل لأم الدنيا.
ورغم حالة الجدل السياسية والاضطراب الذي تشهده مصر والارتباك الذي تعيشه الدولة فإن الكثير - الغالبية - من المصريين لم تعد السياسة في أولوياتهم - على الأقل - هذه الأيام بعدما انصرفوا إلى الرياضة وتحديداً مباراة المنتخب الوطني مع غانا في ذهاب المرحلة الأخيرة من التصفيات النهائية المؤهلة لنهائيات كأس العالم المقبلة بالبرازيل عام 2014 المقرر لها يوم 15 أكتوبر الجاري في كوماسي.
التحول الحاد في مزاج المصريين من الاهتمام بالسياسة للعودة للرياضة من جديد يحير علماء النفس خاصة وأنه لا يعد مرتبطاً بمباراة غانا فقط وإنما ايضاً بالدوريات الأوروبية فلا يكاد مقهى في مصر في أيام السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء - عند إقامة دوري أبطال أوروبا - يخلو من قنوات الجزيرة فيما يشبه المقاطعة لبرامج التوك شو وقنواتها التي انخفضت نسبة مشاهدتها لحد كبير بعدما تحول بسطاء الشعب لمتابعة الدوريات الاوروبية والتفاعل معها لحد الصراخ مع كل كرة بل والتحيز الذي يصل لحد التعصب لفريق على حساب آخر.
والتناقض في مزاج المصريين لا يتوقف عند هذا الحد وإنما يمتد ايضاً ليشمل توقعاتهم لنتيجة مباراتي الذهاب والعودة مع غانا فالغالبية ترى أن غانا الأقوى والأفضل والأكثر امتلاكاً للنجوم أصحاب الخبرة الكبيرة ولكن مصر قادرة على الفوز والصعود لنهائيات كأس العالم 2014 بالبرازيل!!.
وعندما تسأل احدا عن هذا التناقض من أين جاء بكل هذه الثقة واليقين من قدرة المنتخب الوطني المصري على التأهل لنهائيات كأس العالم بالبرازيل رغم الاعتراف الكامل بقوة المنتخب الغاني يرد قائلاً إن اللاعب المصري يؤدي بقوة أمام الفرق الكبيرة ويكون قادراً على الفوز عليها ثم ان الأقارقة - باستثناء عرب الشمال - لا يجيدون اللعب أمام المنتخب المصري فمواجهة غانا رغم قوتها أفضل من اللعب أمام تونس والجزائر بصرف النظر عن الفارق الكبير بينها وبينهما!!.
وإذا كان هذا هو مزاج المصريين الذي يحير علماء النفس فإن الظاهرة الأكثر استحقاقاً للدراسة تتعلق بقدرة اللاعب المصري على الحفاظ على مستواه وكيفية تحقيق الإنجازات رغم غياب الاحتكاك وتوقف المسابقات فالأهلي بلا مشاركات محلية نجح في الصعود لدور الأربعة في البطولة الأفريقية - دوري الأبطال - وفاز باللقب في النسخة الماضية رغم سوء الأوضاع مثله كالمنتخب الوطني للشباب الذي فاز ببطولة الأمم الأفريقية.. ومن قبلهما المنتخب الأولمبي حتى المنتخب الوطني فإنه حقق إنجازاً غير مسبوق بالفوز بجميع مبارياته في التصفيات التمهيدية المؤهلة لنهائيات كأس العالم.
والسؤال الذي بات يحير خبراء الرياضة هل تألق اللاعب المصري هو ثقافة عامة وموروثات من سنوات طويلة ماضية لدى المصريين بأنه يفعل دائماً ما لا يتوقعه أحد وإذا كان الأمر كذلك فكيف له أن يحتفظ بمستواه ولياقته البدنية والذهنية ضارباً بكل قواعد المنطق وأسس التدريب عرض الحائط فهل التدريب في حد ذاته عبء على اللاعب المصري أم أن أساليب التدريب في مصر تضر أكثر مما تنفع لأنها باتت متخلفة بأكثر مما يظنه الكثيرون وتمثل عبئا على من ينفذها تؤدي لتراجعه بل وانهياره بدلاً من أن تدفعه للتقدم والتطور والتألق.. إن الكثير من اللوغاريتمات والألغاز باتت في حاجة لتفسير جاد وعلمي في مصر حتى لا تضيع المواهب وتسقط كل يوم على يدي مجموعة من الجهلة يطلقون على انفسهم مدربين ويعملون في مهنة التدريب.
نقلاً عن "استاد الدوحة" القطرية