.
.
.
.

"اردموا الحفرة .."!

أحمد الفهيد

نشر في: آخر تحديث:

الحفرة تبقى حفرة حتى تردم .. تطويقها بالسياج قد يحمي المارّة من الوقوع فيها، لكنه لن يجعل الدرب سالكة، ولن يمنع الريح أن تبصق في جوفها ما علكته من قذارة الطريق .. ولن يمنحها وصفاً آخر غير "حفرة"!.

وكرة القدم "هنا" في السعودية، تريد أن تمرّ، لكنها خائفة من السقوط في الحفرة الكبيرة، التي تتوسط طريقها، لذا ظلت عالقة كقطعة قماش في وخزة سلك شائك، وكل الذين أمسكوا بيديها لمساعدتها على المرور، أقنعوها بأن قفز الحفرة أسهل وأوفر من دفنها .. وأنها لو سقطت اثناء المحاولة، سيتم إنقاذها وعلاجها.

ولأنها ممن يقولون: "سمّ".. و"أبشر" - مثلنا تماماً - قفزت مرة تلو أختها، حتى صارت عظامها صهوات وجع، وأضرحة هزائم، ومزامير عزاء .. فيما الطريق هي الطريق، والحفرة هي الحفرة .. بينما الوجوه "المبتسمة" تملأ الصورة التي ستنشر غداً في صُحف البلاد!

لم يجلب أداء لاعبي ريال مدريد "الساحر"، الفوز لهم، عام ١٩٩٤ في معركتهم الإسبانية المحلية ضد فريق سبورتينغ خيخون، وإنما غادروا الملعب ملفعين بالخسارة .. لكن المدير الفني فالدانو استقبلهم في غرفة تبديل الملابس و"البشاشة" تثمر في وجهه .. وقال لهم: "عندما تلعبون بشكل مدهش، لا تؤذيني الخسارة، ولا أخجل من حصولها" .. هذا صحيح، الهزيمة مثل المرض، لا بد أن تحدث، لكن الهزيمة الحقيقية هي تقديم أداء باهت ثم توقع الفوز!.. هنا تصبح الهزيمة في "العقل" وليست في لائحة الترتيب، أو الدرج المؤدي إلى المنصّة.

إذن، لتمرّ الكرة السعودية، إلى بقية الطريق، عليها أن تتوقف عن القفز، وتبدأ في ردم الحفرة ..! يمكن تحويل كل الهزائم التي سرقت من أصواتنا أناشيد البطولة، ومن قلوبنا موسيقى المباهاة، ومن أقدامنا بهجة الوثب إلى أعلى، ومن أصابعنا علامة النصر، إلى "رمل" نسدّ به معدتها الجائعة لالتهام ما تبقى لنا من" فرح".

ولنفعل ذلك، يجب أن يتوقف المؤتمنون على المال، عن وضعه "سهواً" في جيوبهم، أو صرفه "لهواً" في جيوب آخرين، وأن ننتقل من مرحلة الرجل الواحد الذي يقرر كل شيء نيابة عنا، ثم يوزع يديه وسلطته وسطوته وصوته قطعاً صغيرة في كل إمضاء، ومشروع، وفكرة، ليكون هو البيان الذي يجب أن يُتلى في حفلة الناجحين، إلى مرحلة "اعطِ القوس باريها"، وبث الثقة في الأحياء، بدلاً من تذكّر الموتى واللطم على قبورهم.

يجب، أن نكتب كلمة "لا"، قبل كلمة "استثناء"، وأن نسمح لـ"الأخطاء" بأن تجلس معنا على طاولة الاجتماع نفسها، وأن نفهم جيداً أن الأصدقاء الجيدين خارج العمل، لا يساعد جلبهم إلى داخل العمل على جعل الأمور أكثر أمنا، ولا يجزّ رقاب "النِبال" الموجهة إلى صدر الرئيس وظهره، ويحيلها إلى عصيّ، تصلح أن تكون طعاماً لمدفأة، أو خشبة في يد راعٍ يهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى.

يجب، أن يقف الرئيس على حافة الحفرة، ويقول: "سنمرّ"، وليس "سأمرّ"، و"سنمرّ"، وليس "سنقفز" .. وهذا يحتاج إلى رجل قوي أمين، حين يضع هو والذين معه تاريخاً محدداً لبدء دفن الحفرة، عليه أن يبدأ .. وإن تأخر وصول "المعاول"، يمكن لـ"عُصبة" من الأيدي أن تتحول إلى "جَرَّافة" اذا كان القلب سليماً والفوز في يقينه هو "مجد الكادحين"!

"كرة القدم، مناسبة لكي لا يفكر الناس بأشياء أخرى خطيرة"، هذا ما قاله رئيس اتلتيكو مدريد فيسنتي كالديرون، واقعاً بحافرة على مقربة من حافر رئيس ريال مدريد سانتياغو برنابيو الذي قال: "إننا نقدم خدمة إلى الأمّة .. فما نريده هو إبقاء الناس سعداء" .. أما أنا فأقول: "اردموا الحفرة .."!


* نقلاً عن "عكاظ اليوم" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.