اتفضحنا يا ناس

بدر الدين الإدريسي
بدر الدين الإدريسي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

موجب للرثاء هذا الحال البائس الذي تصبح وتمسي عليه كرة القدم في أكثر من بلد عربي، بؤس في التفكير ثم بؤس في التدبير يفضي إلى حقيقة موجعة هي أن الوضع الكروي في عموم الدول العربية يزداد سوءا، ولا أحد يستطيع أن يوقف نزيف الهدر ومسلسل الضياع والترجل بسرعة نحو الكارثة.

ما كان من طبعي أبدا أن أفرط في التشاؤم ولا كان من عادتي أن أروج لخطاب التيئيس، ولكن ما أشاهده اليوم محكيا ومرويا بالكلمة ومنقولا بالصورة يقول بأن الفكر الرياضي العربي تأخر كثيرا في هضم قواعد الاحتراف، ووجد شاهقا ذاك الجبل الذي تطل قمته على هذا الاحتراف، وأكثر من هذا لم يستطع اختراق الصمود الذي يبديه كثير من المنتفعين بالهواية كفكر متجاوز لصناعة كرة القدم من المستوى العالي.

النتيجة الحتمية لهذا الشد والجذب أن كرة القدم في أكثر من دولة عربية جربت اقتحام عوالم الاحتراف، أصبحت أسيرة تيارات متعادية، والغريب أن ذلك ينسب أحيانا للديمقراطية التي يراد منها تمتيع الأندية واتحادات كرة القدم بقدر من الشفافية والعقلانية في إدارة شؤونها بعيدا عن الوصايات وعن التبعية وأيضا عن اقتصاد الريع، بينما الواقع الذي لا يعلو عليه هو أن الوسط الكروي العربي في عمومه يجد معاناة كبيرة في إحلال النظام الاحترافي الذي أصبح خيارا مفروضا من الفيفا أولا ومن الحاجة إلى محاكاة المستوى العالي ثانيا، المعاناة التي مصدرها العقلية الهاوية التي تدير الشأن الكروي ولا تريد بأي ثمن ترك مكانها للعقلية الاحترافية، وليس كما يدعي البعض الخلل الكبير في الهياكل والقصور الواضح في الإمكانات المادية.

ومن دون حاجة لتسمية أكثر المشاهد درامية في محيط الكرة العربية، فإنه بالإمكان القول على أن المشترك الكبير في هذا التصدع هو ما يصاحب تنزيل الاحتراف فكرا وقانونا من مصاعب يفضي أكثرها إلى صراع يصل حد الاقتتال بين جبهة تفرض باسم الوصاية لوائح ونظما تمت صياغة أكثرها بالاحتكام لمرجعية الاتحاد الدولي لكرة القدم وجبهة أخرى ترى أن هذه اللوائح والنظم الثقيلة لا بد لها من بيئة جديدة أولا ولا بد من التوافق عليها ثانيا، والذي يقف على هذا التطاحن الغريب لا بد أيضا أن يسجل وعورة المسلك المفضي للاحتراف بسبب أن المشهد الكروي العربي تعود على التزكيات وعلى التوافقات بمعناها السلبي وتوقف منذ زمن بعيد عن الحوار الإيجابي الذي يصنع التعدد والذي ينتج ساحة فكرية يسودها القانون ولا يفسد فيها الاختلاف الود لأية قضية.

إن القطع مع هذا الواقع المريض لكرة القدم العربية والذي يتجسد في اهتزاز أداء المنتخبات العربية وفي تراجعها المهول في محيطها القاري يفرض أن يجلس الكل لطاولة الحوار لصياغة ميثاق يحدد بدقة أسلوب النقاش والأدوات الكفيلة بتنزيل طبيعي للأنظمة الاحترافية والالتزام بحدود الوصاية التي لا تضيق على الحريات ولا تمس باستقلالية الأجهزة والهيئات الرياضية وتجعل القانون المتوافق عليه فوق الجميع، لطالما أن روحه وجوهره تساوي بين الجميع وتنادي بالدمقرطة وبالعدالة الرياضية وتحل الحكامة الجيدة كسبيل لا محيد عنه لتحقيق النجاحات.

طبعا لا نطلب مستحيلا ولا نمارس تعجيزا من أي نوع لطالما أن ما نشاهده في الضفة الأخرى حيث تنتصر قيم الاحتراف وتحقق الطفرات النوعية والسيادة الرياضية، يجسد الإلتزام الكامل بالنظم واللوئح المصاغة بالارتكاز للجوهر الدولي وبالاحترام المطلق للخصوصيات القانونية والفكرية لكل بلد، لقد آمنوا هناك بأن كرة القدم التي هي العربة الأساس في قطار الرياضة لا بد أن تعامل بفكر الهرم الذي له قاعدة تحفظ للهواية وجودها وديمومتها ولا بد أن تفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لتخليق الفكر الاحترافي وإبعاده عن هجمات الجشع التي تشن على كرة القدم باسم الاقتصاد.

فقط علينا أن ننظر لتجارب الآخرين من دون تعال ومن دون تبخيس للنفس لنتعلم شيئا واحدا هو أن الميلادات دائما ما تكون عسيرة، ودائما ما تحتاج إلى طاقة من الصبر للعمل وللتحمل أيضا.


نقلاً عن "استاد الدوحة" القطرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.