حقك".. هو "حقيقتك"
في فبراير الماضي، انتبه اتحاد اللاعبين المحترفين حول العالم، ومقره في هولندا .. إلى وجود تلاعب مريب بنتائج المباريات في القارة العجوز أوروبا - ليس كلها وإنما بقع منها -.
لم يفهم اتحاد اللاعبين المحترفين السبب.. كانت حركة البيع في الملعب أكبر وأسرع من قدرة أعضائه على استيعابها وهم يتبادلون (فوق طاولة نظيفة، محفوفة بالشاي والكعك، والماء البارد) التخمينات حول الذي حدث فعلاً، والذي سيحدث لاحقاً.
كانت الحركة أثقل على قلوبهم من أن يتحملوها عاماً آخر، ولهذا غادروا مكاتبهم فوراً، وقرروا الذهاب إلى مسرح الجريمة، وهناك حتماً سيعرفون كل شيء .. سيعثرون على الاجابات التي قالت لهم "الحقيقة" غير مرة: "إنها على طرف لساني"، لكن أحداً لم يسمح لها بقولها.
من الذي باع؟!.. ومن الذي اشترى؟!.. وكيف ولدت هذه السوق؟!.. أين حدث التناسل ومن الذي ألهاهم عن ملاحظة تكاثرها؟!.. أسئلة كثيرة وعاجلة، كان يجرّ بعضها بعضاً، ويجري بعضها فوق بعض.. ولزم الأمر لرفع الغطاء عن رأسها، استجواب ٣٣٥٧ لاعباً يقطنون شرق أوروبا، متهمين بقلّة اللعب وكثرة التلاعب، قال ٤١٪ منهم إنهم فعلوا ما فعلوه، لأنهم كانوا "لا يستلمون رواتبهم بشكل مستمر". (صحيفة الغارديان ١٠ فبراير ٢٠١٣).
هكذا ببساطة .. باعوا النتيجة لأنهم احتاجوا إلى المال، لم يكن الأمر ترفاً ولا ترفيها فائضاً عن حدّ الاحتياج.. وإنما محاولة "محرمة" لسدّ الحاجة.. وسداد فواتيرها.
هكذا ببساطة.. حُبس عنهم المال فأطلقوا سراح الشيطان الذي كان مصفداً في رفضهم، ولم يذروا البيع هذه المرة، الا وقد قبضوا ثمنه "خشية إملاق".
أما أنا، فأعيدُ سرد هذه الحادثة الآن، لأن لجنة الاحتراف في اتحاد كرة القدم السعودي أعلنت قبل أيام، أنها استقبلت ١٤٧ شكوى في خمسة أشهر فقط، وكل هذه الشكاوى تصيح بأعلى صوتها: "أعطوني حقي" .. و"حقها" مهدر في الإنكار والمماطلة.
يجف عرق اللاعب ويغسله.. ثم يتصبب مرة أخرى ويجفّ، بينما أجره مسجون في خزائن "التأجيل".. فلا هو الذي يحصل عليه ولا هو الذي يتوقف عن اللعب.. فيتراكم الصبر فوق الصبر حتى يتحول إلى شجرة "صبّار" لا تنبت الا شوكاً!
وإن كنا هنا في السعودية، لا نبيع المباريات، ولا نتلاعب بها.. كما يفعل أوروبيون في شرق القارة "القديمة" إذا تأخرت الرواتب الشهرية أو صار "تسليمها لا يتم بشكل مستمر"، إلا أن "الحاجة إلى المال والعجز عن الحصول عليه" يمكنه أن يهزم قلب اللاعب ويهدم قدميه.. يمكن أن تحدث الخسارة، ليس لأن اللاعب باع المباراة، ولكن لأن اللاعب شعر أنه تمت سرقته، أو أهين في "لقمة عيشة"، وأنه لا يمكنه في خِضَمّ هذا كله أن يمنح الفرح للجماهير، إن كان رئيس النادي الذي حبس عنه ماله، "واحداً منهم".
وما يؤذي أكثر.. هو أنه تم، ويتم دفع لاعبين إجباراً وابتزازاً وإقناعاً إلى التوقيع على أوراق تثبت أنهم تسلموا مرتباتهم الشهرية، وذلك بغرض تطهير صفحة النادي من ملاحظات لجنة الاحتراف، التي قد تمنع قيد لاعب جديد، أو التمديد لآخر قديم.
يوقّع اللاعب خوفاً من أن ينتقم منه الرئيس والرَّهْط الذين معه بالتلاعب في مستقبله، وإحالة ساقيه إلى أندية صغيرة، إن رفض "الإمضاء" - كذباً - على أنه أخذ كل رواتبه الشهرية.
يوقّع اللاعب على الأوراق "المزوّرة"، لأن صديقه اللاعب الكبير في الفريق، قال له: "وقّع .. وأنا أضمن لك حقك".
"يوقّع" اللاعب حتى لا "يُوقَع" به في مصيدة "تمرد" .. فيُخرجونه من الملعب ويدخلونه إلى قائمة الاحتياط!
فيما الصدق أيها اللاعب أن: "حقك" هو "حقيقتك" .. إن تنازلت عنه تحولت إلى كذبة.
نقلا عن "عكاظ اليوم" السعودية