.
.
.
.

مَن يكتب التاريخ؟

بتال القوس

نشر في: آخر تحديث:

نشأت في منزل يكتظ مجلسه صباح مساء، برواة التاريخ المنقول شفهيا، وتابعت في سن صغيرة وحتى اللحظة، الجدل المتصاعد بينهم دائما، كل يحاول إثبات روايته باستشهادات بالشعر والأماكن والشخصيات والأزمنة.

ولأن الشعر والأنساب وتاريخ الجزيرة العربية والقبائل التي سكنتها منذ عصور فانية، الاهتمامات المفضلة لوالدي - أطال الله بقاؤه، لم يكن مستغربا أن يحظى مجلسه دائما بالمختلفين والمتفقين حول قصة أو قضية ما، وفي كل مرة لا يتم تغليب رواية على أخرى ما لم يكن هناك دليل جلي تسوقه أبيات الشعر التي تربط الحدث بالأماكن والشخصيات، ويظل اتفاق الرواة أمرا بعيد المنال غالبا.

.. مع تضاعف الجدل وتضخمه، دائما كنت أقول لوالدي، التاريخ الشفهي لا يمكن أن يكون سندا مرجعيا للحوادث والشخصيات، وسيظل عرضة للتغيير والتعديل وفق الهوى والرغبات والميول، وكان جوابه غالبا: أنا أروي بسند متصل عن ثقات عاصروا الأحداث وتناقلوها جيلا إثر جيل.

.. رغم قوة حجته، وسلامة حفظه ونقله في كثير من القصص والمواقف والأنساب التي يعززها بدلائل من الشعر والقصائد والأمثال والمقولات الراسخة، إلا أن هذا لم يقطع دابر الجدل تماما مع ضيوفه، وظللت أنا وأشقائي الضحية الدائمة لهذا العراك التاريخي، إذ كنا نقضي ساعات طوال في الترحيب بالزائرين وتوديعهم، وتبادل المهام في صب القهوة والشاي، وإن لم يخلُ الأمر من المتعة غالبا.

عندما كبرت وكبر معي حب القراءة، بحثت كثيرا عن مراجع تاريخية لكل القصص التي كنت اسمعها من ألسنة الرواة الشفهيين، ويدور حولها الاختلاف، ورغم ندرة المراجع، إلا أني وجدت بعض الإسناد والتأصيل في وثائق عثمانية متناثرة، وكتب خجلة تمر على تلك الأحداث مرور الكرام لم تخل من تجاذبات الهوى، ولا توثق الوقائع كما يجب وكما يحفظها للتاريخ والأجيال، بل إنها تلج إلى القضايا ذاتها من أبواب جديدة لا تشبه التاريخ المتناقل عبر الرواة الجائلين.

.. في كرة القدم السعودية - وأرجو ألا يغضب والدي عندما اربط بين المشهدين - تبدو الحالة متشابهة، لا توجد كتب تاريخية صريحة توثق نشأة اللعبة في البلاد، وتؤصل الأحداث والمواقف والمسميات. تركت مؤسسة الرياضة، الباب مفتوحا للاجتهاد والجدل والخطأ وتمرير الرغبات والميول. ويتضح هذا جليا قبيل مواجهات الفرق الكبيرة صاحبة الحظوة الجماهيرية والإعلامية، فلا يتفق النصرايون والهلاليون والاتحاديون والأهلاويون على توثيق موحد لمواجهات الفرق الأربعة مع بعضها، حتى أصبح لكل واحد من هذه الأندية مؤرخا خاصا يقبلون ما يقول ويرفضون ما يأتي من غيره.

في مسابقة الدوري السعودي مثلا، لا تزيد سنوات المسابقة عن 40 عاما، أي أن هناك الكثير من المعاصرين لاعبين وإداريين وجماهير، شهدوا ولادته الأولى وما زالوا يتابعونه ويرقبون أحداثه، وهم بمثابة خزائن تاريخية حية تستحق الاستثمار ويمكنها الإفادة.

.. وبما أننا في أول مواسم مجلس اتحاد منتخب - ما أحال المشهد من الإدارة الفردية الأحادية المنتقاة، إلى الإدارة المؤسساتية المنهجية متعددة الأطياف والألوان، فإن توجيه مجلس الاتحاد اهتمامه نحو توثيق نشأة اللعبة، ومسميات بطولاته، وأبطالها، ونجومها، ومواجهات الفرق وأحداثها، أمر محمود تفرضه المسؤولية.

لا أعرف.. لماذا يقدم الاتحاد السعودي قدما ويؤخر قدما في هذا الاتجاه منذ سنوات؟ ولا أجد مبررا مقنعا في عدم إصدار مجلس الاتحاد كتابا موسميا توثيقيا، تضاف له كل عام الأحداث المتلاحقة، يحسم الجدل ويوثق التاريخ للتاريخ والأجيال المتعاقبة؟ إلا إذا كان في التاريخ ما يشوه التاريخ ولا يرغب المنتصرون في كتابته، فالتاريخ يكتبه المنتصرون كما تقول العبارة الشهيرة، التي لا تخلو من انهزامية مثبطة.

نقلاً عن "الاقتصادية" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.