الرياضة.. ليست عقيدة

بتال القوس
بتال القوس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

وحدها القضايا العقائدية، يصل الخلاف والاختلاف فيها إلى تصوير صاحب الرأي أو الفكرة، بوصفين متناقضين تماما. من يتفق مع الرأي يضع صاحبه في رتبة المفكرين والعظماء والفقهاء والقادة، ومن يختلف معه يقذف به في أقصى اليسار ضمن زمرة الخونة والمغررين والدمويين.

كنت أعتقد أن الأمر كذلك في الأمور العقائدية فقط، وكنت أتفهمه كخلاف جذري ربما يؤدي إلى هذا المسلك، حتى انضممت قبل ثلاثة أعوام إلى شجرة "تويتر" وارفة الظلال، فوجدت أن كل حوار تحول إلى عقيدة.

الرياضة.. وتفاصيلها ومحركاتها، لبنة من لبنات المجتمع الكبير، تستهدف الترويح والترفيه بالدرجة الأولى، وإن تحولت لاحقا إلى صناعة وحضارة وعنوان للشعوب، لم تمس المعطيات الجديدة هدفها الرئيس السابق.

.. في "تويتر" الأمر ليس كذلك، تحولت الرياضة إلى عقيدة، لم يبق لإلباسها هذا الجلباب، إلا توظيف قاعدة البراء والولاء الفقهية فيها، وتقسيم المجتمع الرياضي إلى مذاهب عقدية متناحرة بحسب اللون والانتماء، يكون الحب فيها حبا في النادي، والكره كرها في المؤسسة الرياضية ذاتها، ومع تزايد هذا التيار في الوسط الرياضي ونموه بشكل لافت، سقطت قيم اجتماعية راسخة، كثقافة الاعتذار، الصدق، الأمانة، الصداقة الحقيقية، فروسية الرياضة، الاختلاف في الرأي مع عدم الإقصاء، وطفت ممارسات سيئة بديلة، كالكذب، التخوين، الانتهازية، الخلاف على الرأي، نسج الشائعات وحبك المؤامرات، الانتصار للذات لا للحق، وفشل أي حوار قبل أن يبدأ لأن الأرضية هشة لا يمكن الوقوف عليها.

القضية هنا تتخذ مسارين، أولهما المسؤولية الخاصة، وبها يمكن تفهم أدوار مسؤولي الأندية في الدفاع عن حقوق مؤسساتهم الرياضية، متى ما كان معهم الحق، وثانيهما المسؤولية العامة التي يجب أن يتوقف أمامها مسؤول النادي ولا يحمِّل الأمور أكبر مما تحتمل انتصارا للذات. المتعاطون مع الشأن ينقسمون أيضا إلى فريقين، أحدهما تابع على الإطلاق، يردد ما يقول مسؤول ناديه حقا أو باطلا، والآخر فريق ينقسم إلى شعبتين بدوره، واحدة صامتة يعجبها المشهد وتأبى مكوناتهم الفكرية المشاركة فيه، وأخرى رافضة ولا تستطيع إعلان رفضها خشية الإقصاء والوسم والنعوت.

المسؤولون الرسميون، عليهم أن يعوا أنهم مشاركون حقيقيون في تلوين ذائقة الجماهير وتكوين الرأي العام، ولذلك يفترض فيهم الانتصار للحق، ومعرفة الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، وأن يقولوا لتابعيهم: قفوا. عندما تكون "قفوا"، واجبة. وهؤلاء هم من سيذكرهم التاريخ حقيقة.

أما المتعاطون، فالفريق الأول منهم (التابع إطلاقا)، لا يمكن الرهان عليهم، فهم كالدهماء، لا يؤخذ منهم ولا يرد إليهم، أما الفريق الثاني بشعبتيه، فيقال عنهم ما قيل عن المسؤولين الرسميين كونهم قادة رأي أيضا، ومشاركين حقيقيين، في تكوينه وتلوينه، وعليهم الاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية العامة.

في الوسط، بين كل هؤلاء، تتماوج الآراء، وتتقاذفها الألسن، ويبقى الرأي رأيا، يمكن تفهمه في إطار القبول والرفض، دون أن نصف صاحبه بالكفر الرياضي عند رفضه، أو الحب الفقهي عن قبوله، ودون أن نلبسه أكبر من قياساته الواضحة ونحوله إلى تآمر وحيل ومخططات.

الأعزاء في "تويتر".. شجعوا فرقكم، ساندوها، اختلفوا كما تريدون مع من تريدون، تحمسوا، اهتفوا، قولوا بإن فريقكم هو الأفضل في وجهة نظركم، وأن منافسه الأسوأ، دون إقصاء أو انتقاص لمن تختلفون معه، ولا تحولوا الرياضة إلى عقائدية حزبية، ترفض الآخر، وتتربص للانقضاض عليه.

نقلاً عن"الاقتصادية" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.