.
.
.
.

حسين عبد الغني

بتال القوس

نشر في: آخر تحديث:

عندما بدأ الحبو، أصبحت طريقة والدته المفضلة لإسكاته وإشغاله، وضع كرة صغيرة في الغرفة يلاحقها ويدحرجها في كل الاتجاهات.

عندئذ، يتعالى صوت ضحكاته الطفولية البريئة إلى الشهقات أحيانا، وفي مرات كثيرة استعانت الوالدة بأي شيء مستدير يتدحرج حتى تغير مزاج هذا الصغير من التعكر إلى الاعتدال.

.. شغفه بالكرة، لا يمكن وصفه، صديقته، صديقه، وجليسته، لم تكن تغيب عن عينيه إلا عند إغلاقهما للنوم، وفي تلك أيضا كان يحتضنها كعاشق يطوق معشوقته بيديه يستنشق عبيرها، ولا يقدر على فراقها. امتلأت غرفته بالكور الملونة التي يقتنيها الوالدان لطفلهما، وظل الحصول على الكرة البيضاء ذات الخطوط السوداء، التي يتقاذفها اللاعبون في التلفاز، أمنيته الدائمة.

.. في عيد ميلاده السادس، تقدمت إليه والدته بعد أن نفخ الشمعات الست، وقدمت له صندوقا كبيرا، قبلت وجنتيه وقالت والانتظار يسكن عينيها: هديتك يا حسين. مزق غلاف الصندوق ونبضات قلبه تتسابق, إنها الكرة البيضاء ذات الخطوط السوداء التي يشاهدها في التلفاز, ترقد في الصندوق الهدية, أمنية الأماني قد أتت, من الفرحة قفز وأرسلها للسقف, وكانت الإضاءة المصلوبة عليه أول الضحايا.

حسين عبد الغني قائد الأخضرين والنصر, نموذج لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن كرة القدم السعودية, علاقته بالمستديرة تتعدى معادلة لاعب محترف, إلى سلوك يومي في حياته, يحكي عن طفولته: لم أكن أخرج مع الأسرة ما لم تكن الكرة معي, كانت رفيقتي في كل خطواتي, ويضيف: لا أعرف كيف أحببتها, إنه عشق يزيد ولا ينقص, كل الهدايا التي تلقيتها في صغري كانت كرات بمختلف الأشكال.

.. التحق الظهير المتجدد, بنادي الأهلي وعمره ثمانية أعوام, وهنا بدأت قصة عشق جديدة, كانت الأمنية الأولى فيها أن يحقق بطولة الدوري للكبار, لكن القصة انتهت بغصة بعد أعوام, حولته من جدة المرتمية في أحضان البحر الأحمر إلى سويسرا, مغامرة لا يعرف ماذا يخبئ القدر فيها.

موسم يرقى إلى مرتبة الجيد قضاه العاشق في صفوف نيوشاتل السويسري, استدعي فيه للمنتخب الأول من جديد. وفي واحدة من الاستدعاءات, تأخر عن طائرة الخطوط الألمانية المغادرة إلى وطنه, فتحول إلى طائرة "السعودية", وقديما قالوا "رب صدفة خير من ألف ميعاد", ذلك فعلا ما حدث, حسين وجها لوجه مع الرجل الذي يبحث عنه منذ أسبوع, عامر السلهام نائب رئيس نادي النصر آنذاك, لم تستغرق المفاوضات إلا عشر دقائق اتفقوا فيها على أن يلبس عبد الغني ألوان النصر في موسم 2008, وهنا بدأت قصة حب جديدة. يقول حسين: بعد شهرين من وجودي في النصر, تأكدت أنني في الطريق الصحيح, كل شيء يشير إلى أن الزرع سيثمر, وأن أمنيتي القديمة بلقب الدوري ستتحق تحت ألوان هذا النادي العريق.

سألت لاعبا انتقل للنصر في العام الماضي: هل يمكن أن يستمر عبد الغني حتى يحقق أمنيته؟ أجاب: هذا الرجل يزداد مهارة كل يوم, وتابع: يا أخي لو ألقيت عليه (بلكة), لما عجز على أن يخضعها لـ "كنتروله" العجيب, لديه حساسية عجيبة في قدمه, إنه يعامل الكرة بحنان فلا تستطيع رفض أوامره لها أيا كانت, تخضع له طائعة وكأنه ضابطا يلقي أمرا على جنديه, وختم ممازحا: عبد الغني يستطيع أن يصطاد العصافير بالكرة. نقلت ما قال لحسين, فرد: لن أنسى فضل أمين دابو في براعم الأهلي, هو الذي علمني كيف أستخدم كل سنتمتر في قدمي لترويض الكرة.

أصعب اللحظات في مسيرة العاشق الكبير عبد الغني, عندما واجه الأهلي في أول مباراة مع فريقه الجديد الأصفر, يصف المشهد: احتبس الدمع في عيني, وشعرت بأن الكلمات لا تخرج, وأن أنفاسي تتسابق على قتلي. قلت له: وماذا بعد؟ هل ستعلق الحذاء بعد أن لامست أمنيتك القديمة واقتربت واقعا؟ أجاب: في بعض المواقف, لا تريد أن تفكر في أمر قادم لأنك تخاف منه, أنا والاعتزال كذلك, أريد أن أعيش أكثر مع معشوقتي, يوم أن أقرر الاعتزال أرجوك ضع صوري مع الكرة في لقطة الختام, وعبد المجيد يغني: "كانها الفرقى طلبتك حاجتين, لا تعلمني ولا تكذب علي".

كل شيء تمناه حسين عبد الغني مع معشوقته الكرة, حققه, لعب في المونديال, حمل كأس آسيا, بطولات محلية, وأمنيته في بطولة دوري قريبة جدا, رغم كل هذا, لا يقوى على الوداع, لا يقوى لأنه يعشق الكرة ولا يلعبها وهنا سر استمراريته.

نقلاً عن "الاقتصادية" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.