.
.
.
.

نمبر ثرتين

بتال القوس

نشر في: آخر تحديث:

بعد موسم متذبذب عاد فيه من إصابة مؤلمة، لم يجد للنفس سلوى غير السفر، ففي الأسفار خمس فوائد تتصدرهن "تفريج همّ".

شد الرحال إلى مدينة التوأم بتروناس، بصحبة زوجته وأولاده. ذات صباح ماليزي تتهادى فيه قطرات المطر على الأرض بحنان كأصابع عازف على لوحة مفاتيح بيانو، رن جرس هاتفه، المتصل يبادره: لديك عرض من نادي الشباب، ما رأيك؟. لم يتأخر في الجواب: موافق. سأله الصوت القادم من عاصمة النفط والصحراء: بهذه السرعة؟ أجاب بالسرعة ذاتها: لم تحترموني، لو أردتم بقائي لما نقلت لي العرض بهذه السرعة أيضا، لا تفعلون ذلك مع اللاعبين الذين تتمسكون بهم.

.. أول مرة حضر جيرتس لتدريب الهلال، كان ينادي اللاعبين بأسمائهم، وعندما وصل إلى عمر الغامدي قال: "نمبر ثرتين". بعد التمرين قال له الفتى الأسمر: كابتن لدي اسم مثل بقية زملائي. رد العجوز البلجيكي بوضوح: "أنا لا أعرفك ولم يحدثني أحد عنك، ولم يعرفني الجهاز الإداري بك". هنا .. هاجمت الفتى الظنون.

.. دارت به الأفكار، خاصمه النوم ليلتها، تدحرجت إجابة الأشمط البلجيكي كصخرة حطت على صدره. يومها كان نمبر ثرتين، ثاني اثنين في الفريق صعدا المنصة أكثر من البقية.

يعشق عمر الغامدي المولود في الرياض، في الحادي عشر من أبريل من عام 1979، التحدي. أول مرة دعي للتجربة في صفوف درجة الشباب في الهلال، كان يلعب رأس حربة، هبط إلى الملعب، لاحظ أن اللاعبين يتناقلون الكرة بينهم ولا يمررونها له، عرف حينها أن الكرة تحتاج أيضا إلى علاقات، بعد ثلاثة تمارين اقترب من البرازيلي كامبوس مدربهم آنئذ، قال له: كابتن مكاني الحقيقي محور، لست رأس حربة. هز البرازيلي رأسه موافقا. بينما صديقه الذي يرافقه للنادي يفتح فمه دهشة خلقت السؤال على شفاهه: في كل ملاعب خنشليلة تلعب رأس حربة، لماذا اليوم تريد أن تلعب محور؟ رد مبتسما وهو يغمز بعينه: لا يمررون لي الكرة، أريد أن أعود للخلف لأكون أنا المتحكم في كراتهم، ستشاهدهم كلهم يطلبون ودي.

.. خلّفت مكالمة كوالالمبور جرحا في دواخل الفتى الأسمر، وتأكد جيدا ألا مكان له في الهلال، بعد تلميحات كثيرة تجاهلها في موسمه المنصرم، تكونت في صدره شهقة مكبوتة، وألم يمد ذراعه كوحش كاسر يخنق صوته. لا جدوى من كل هذا، عزم على الرحيل، ولم يكن له من ضماد غير ترديد بيت المتنبي:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم

أول موسم في الشباب، أحب عمر الغامدي مدربه برودوم، كل منهما أحب الاحترافية المهنية في الآخر، وعرف البلجيكي عن الفتى ما لم يعرفه مواطنه الأشمط عنه، قال له: لديك الكثير فلماذا يخرج منك إلا القليل. رد عمر: اتركني أتعاف. وكأنه يشير إلى جرح لم يندمل بعد. حقق الاثنان بطولة الدوري، لم يشعر الفتى الأسمر أنه رد اعتباره كما يجب، بقي في نفسه شيء من حتى.

حين زفر المجري فيكتور كاساي صافرته الأخيرة الخميس الفارط في قلب الجوهرة، معلنا فوز الشباب بالكأس الكبرى، مرت المشاهد تترى في عيني عمر الغامدي، شريط الذكريات المؤلمة: كسر في المفصل، مدرب لا يعرف اسمه، مدير كرة قال نريدك واتصال قال لديك عرض، وداع القميص الأزرق، أول يوم في عرين الليوث، حديث برودوم، بطولة دوري، واليوم بطولة كأس له الدور الأكبر فيها. رفع عينه إلى الشاشة المصلوبة في ركن من الملعب، تخيل وجهين لشخصين يعرفهما جيدا، في تلك اللحظة فقط، عاد صوته وصاح فيهما: نعم .. نعم نمبر ثرتين.

*نقلاً عن الإقتصادية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.