هلالي متمرد
حتى وقت قريب كانت صحافتنا الرياضية تنعم بعدد لا بأس به من الصحافيين الذين يقدمون مصالح صحفهم على مصالح أنديتهم المفضلة، أو دعوني أقولها بشكل آخر، وهو أن تمرد الصحافي في داخله ينتصر على عاطفة المشجع، فلا يستطيع مقاومة لذة التفرد بنشر المادة المثيرة، حتى وإن كانت ستغضب إدارة النادي وجماهيره، أيضاً لا يأبه لصوت المشجع الذي في داخله وهو يقول: كيف ترضى أن تكتب مثل هذا الكلام عن ناديك المفضل، وتثير شماتة المنافسين عليه، رئيس النادي سيغضب ولن يرد على اتصالاتك، بل أنه سيحرك جنوده في «تويتر» للهجوم عليك؟ واختراع الشائعات التي تشكك الناس فيك؟.
كانت هذه العينة التي تنتصر لمهنتها موجودة، وكانت الأعلى سعراً، لأنها متمكنة وتملك مصادر تزودها بالمعلومة، لكنها الآن انقرضت أو على وشك الانقراض، ومن يتصدر الواجهة الآن هم المتحدثون عن الرؤساء والمسؤولين، بل من يخوضون الحروب عنهم بالوكالة، هؤلاء يجدون دعماً لا محدوداً لتثبيتهم في صحفهم و توزيعهم على البرامج، وذلك مع خطة موازية للتضييق على الفئة الأخرى التي تعمل من أجل مهنتها.
لا أستطيع أن أحدد أسرار هذا التحول المخيف في مقال، لأن القضية ربما تحتاج إلى نقاش أوسع وبحث من متخصصين، فالمتغيرات في الإعلام الجديد أصبحت واقعاً، ولا بد أن لهذه المتغيرات تأثيرها.
للأسف أن البعض أصبح يتعامل مع ميوله لناد ما وكأنه عقيدة لا تمس، بل أبعد من ذلك، فهناك من يرى أن الدفاع عن النادي المفضل فرض عين على الصحافي في كل الأوقات والظروف، سواء أكان النادي ظالما أم مظلوما، وعلى رغم أنني أرى أن تسليط الضوء على ما يحدث من أخطاء في أي منظومة يأتي في سياق مصلحتها، لكي يتذكر صانع القرار في هذه المنظومة أن هناك سلطة رابعة تحاسبه أمام الجميع، فمثلا: إذا كان هناك ناد ما محروم من مشاركات لاعبه الأجنبي المهم بسبب عدم وصول بطاقته الدولية، ينبغي على الصحافي أن يكتب الحقيقة ويوضح أن البطاقة لم تصل، لأن النادي لم يدفع قيمة الانتقال للنادي الأجنبي، هنا قد تدرك إدارة النادي أن هناك إعلاماً وجمهوراً يحاسبها على هذا التقصير، ولا يختلق لها المبررات الكاذبة، فتسعى لحل هذه الإشكالية بسرعة.
في صدد الميول يقول زميلي الساخر سطام الثقيل: «هناك من يظن أن الصحفي قد يقدم ميوله حتى على أصدقائه وأقاربه، كرة القدم ليست إلا للمتعة والترفيه، كنت أنتقد النصر والنصراويين بسخرية في «تويتر»، فلاحقتني شتائمهم في كل مكان، في الوقت الذي كان فيه الهلاليون طربون لما أفعل، الآن أجرب العكس، فكانت البداية مفاجئة للجميع، وكأن ما أقوم به ضرب من الجنون، بعد مرور أيام أصبح كثيرون لا يستغربون أي رأي أطلقه، ضد أي ناد أو شخص، ويبدو أن هناك من وصل إلى قناعة بأن يقبل أي شيء مني، أنا سعيد أنني وصلت إلى هذه المرحلة، وسعيد أنني أصبحت أستمتع بكرة القدم أياً كان الفريق الذي يلعب، لقد اخترت المتعة وتركت للمتعصبين التشنج»،
شخصياً أرى حالة سطام تعكس لبقية الصحفيين الآتي: إذا كنت لا تبحث عن رضا المسؤول تستطيع أن يكون رأيك حراً حتى لو كان ضد ناديك المفضل أو نجومه، تستطيع أن تفعل ذلك من دون أن تخسر شيئاً، فقط تحتاج إلى شيء من الجرأة
*نقلا عن الحياة السعودية