.
.
.
.

دواعش في الملاعب

عز الدين ميهوبي

نشر في: آخر تحديث:

أوقف أندريس إيسكوبار سيارته في موقف قريباً من حانة الأنديو القريبة من مدلين، وإذا بثلاثة أشخاص يتقدّمون نحوه، فيمسك به اثنان، بينما أفرغ الثالث رصاصات مسدسه في جسمه، وهو يصرخ «جول.. جول».. حدث هذا قبل 20 عاماً عندما اهتز العالم على وقع خبر مقتل اللاعب الكولومبي إيسكوبار، لأنه تسبب عن طريق الخطأ في تسجيل هدف ضد مرماه في مباراة الولايات المتحدة برسم نهائيات كأس العالم، وقال الظرفاء حينها إن زعيم كارتل ميدلين آنذاك بابلو إيسكوبار أمر بتصفيته لأنه شوه اسم إيسكوبار.

ومنذ أيام اهتز الشارع الرياضي، ليس في الجزائر فحسب، على خبر وفاة اللاعب الكاميروني ألبير إيبوسي المحترف بالنادي العريق شبيبة القبائل متأثرا بإصابة قاتلة، ناتجة عن مقذوف حاد رمى به مناصر غاضب بعد هزيمة الشبيبة في ملعبها أمام اتحاد الجزائر، وكان الحادث بمثابة الصدمة العنيفة في جسم الكرة الجزائرية التي تألقت في كأس العالم الأخيرة بالبرازيل، ولكنها تضررت بشكل كبير بعد حادثة تيزي وزو.

الأمر لا يتعلق فقط بموت لاعب أجنبي، ولكن لأن هناك جوانب إنسانية مرتبطة بالحادث، فإيبوسي لاعب خلوق بشهادة الجميع، انتهى في الموسم الماضي هدافاً للدوري الجزائري، وفي يوم وفاته رزق فتاة صباحاً، ليرحل من دون أن يراها ثانية، ثم إنه صاحب الهدف الوحيد لفريقه، وليس له أعداء داخل أو خارج الملعب، وليس أدل على ذلك أنه آخر من دخل غرف الملابس مطمئناً إلى أن الجمهور إذا غضب من الجميع فلن يغضب منه، لكن الغضب أتى على رأسه كصاعقة أودت بحياته، وفتحت النقاش واسعاً على كل الأصعدة السياسية والرياضية والإعلامية، وتم رهن الدوري في سؤال كبير هل سيواصل اللعب أم سيوقف النشاط الكروي؟ هل ستنجح فكرة اللعب من دون جمهور كما فعلت مصر بعد تراجيديا بورسعيد؟ هل ستخسر الجزائر رهان خلافة ليبيا في احتضان كأس أمم إفريقيا 2017؟ هل سيعاقب الاتحادان الإفريقي والدولي الجزائر بلعب مباريات منتخباتها الوطنية في بلدان محايدة؟ هل وهل وهل ستنجح تصريحات بعض نجوم الكرة الكاميرونية مثل إيتو وأنطوان بيل في تجريم الكرة الكرة الجزائرية؟ ودفع اللاعبين الأفارقة إلى مغادرة الدوري الجزائري؟ وأسئلة أخرى.

صحيح، الجزائر فتحت تحقيقاً جنائياً لمعرفة ملابسات الجريمة، وفصل القضاء في أن اللاعب توفي نتيجة آلة حادة أصابت رأسه، وأن ملعب تيزي وزو تم غلقه ولن يسمح للشبيبة باللعب في نطاقها الجغرافي، وأن شقيق اللاعب القتيل تأسس كطرف مدني في القضية، وعائلته تطالب بالحقيقة كاملة، وأشياء أخرى، إنما السؤال هل سيكون مقتل إيبوسي نهاية انفلات في الملاعب تم رصده منذ أعوام، أم أنها بداية بروز «دواعش» موتورة تعتقد أن العنف وحده كفيل بإفراغ شحنة الغضب الكامنة، لأسباب منها التعصب الكروي أو الوضع الاجتماعي والنفسي؟ فلا حل إلا بإرساء قواعد مخطط صارم لمكافحة العنف، يكون أساسه وضع تشريع خاص بالملاعب يبدأ بتحميل الأندية مسؤولية ضبط ما يطلق عليه في الجزائر «لجان الأنصار»، وإدماجها في منظومة النادي الإدارية وعدم تركها لأهواء المغامرين. ومن ثم يأتي دور اتحاد الكرة ووزارة الرياضة وهيئات الأمن والمساجد والمصحات النفسيّة و و و.

والحقيقة أنّ بلداناً كثيراً تصدت لظاهرة العنف والهوليغانز، خاصة في أوروبا وخاصة مارغريت تاتشر التي ضربت بقوة بحد حادثة ملعب هايسل البلجيكي بين ليفربول وبوفنتوس في 1985، التي أودت بعشرات المتفرجين، وأوجدت آليات صارمة، قانونية وميدانية، أعطت ثمارها بعد أعوام من الغياب عن المسرح الأوروبي، وعاقبت جمهوراً منفلتاً أعتقد أنه سيقتل متعة الكرة بمقذوفات خارج القانون.

*نقلا عن الحياة السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.