.
.
.
.

«توصي شيء .. أنا مسافر»

بتال القوس

نشر في: آخر تحديث:

يتبادل السعوديون منذ أسبوع, على قروبات الهواتف الذكية, رسائل عن اليوم الوطني للبلاد, تتناول بظرافة وسخرية طرائقهم المنتظرة في الاحتفال بالذكرى الـ 81 على قيام هذا الكيان الكبير في قلب الجزيرة العربية.

.. سرعان ما تحولت الرسائل الهاتفية ذات الانتشار البطيء إلى وسم على تويتر, يُظهر الوجه نفسه ذا الكوميديا السوداء في إجابات السؤال المتداول: ماذا تقول لوطنك في يومه التاريخي؟ أكثر الإجابات رواجا هي تلك التي كتب صاحبها: توصي شيء.. أنا مسافر!

.. لا يكشف السعوديون للمرة الأولى في إجاباتهم عن هذا السؤال عن وجوههم الساخرة وتعاطيهم مع الأمور العامة في سياقات كوميدية مضحكة.. مبكية, فسبق أن قدموا أنفسهم من قبل في قضايا أخرى حجزت لهم الصدارة في قائمة الكوميديين المقرعين للذات, وليست هذه الأحرف معنية بمناقشة متى يتحول المجتمع إلى صناعة النكتة على نفسه كجزء من ممارسته النقد, فتلك قضية كبيرة تحتاج إلى حديث طويل ومتشعب.

.. ما يهمني هنا, هو: لماذا يتم التعامل مع مواعيد اليوم الوطني, كفرصة للسفر والاستجمام والهروب؟ ولماذا لا تكون برامج اليوم الوطني جاذبة لإبناء الوطن؟ فكل القضية يوم واحد, أعجزنا فيه أن نعبر عن حبنا لوطننا وكيانه وترابه؟!

الإجابة عن هذا السؤال تذهب في اتجاهات عدة, تشمل العديد من مؤسسات الدولة, ومرة أخرى هذا حديث متشعب وطويل, ومن الحكمة الذهاب إلى الزاوية التي تعنينا وهي الرياضة والرياضيين ومؤسستهم الراعية لهم, الرئاسة العامة لرعاية الشباب. فماذا فعلت "رعاية الشباب" في يوم الشيب والشباب؟ وما المطلوب منها؟.

الشق الأول من السؤال, سنجد أمامه الكثير من الإجابات الروتينية المغرقة في البيروقراطية, ولن نجد بينها مشروعا واحدا جذابا يمكن أن يحتوي الشباب ويستميلهم نحو الإحساس بأهمية هذا المناسبة.

في كل مرة يدور الحديث عن الوطنية في الرياضة, يرتمي السؤال: كيف ننمي الوطنية في نفوس محبي الرياضة تجاه منتخباتنا الوطنية؟ وتتوزع الإجابات في اتجاهات شتى, تتخذ أغلبها طابع الرسمية والمثالية والوصاية على الجيل وميوله وقراراته ورغباته, وهي سمات يرفضها أبناء هذا الجيل تماما, وتستفزهم لارتكاب أخطاء ما, تعبيرا عن الرفض. .. اليوم الوطني, فرصة كبيرة لإظهار محبة الوطن أيضا لأبنائه, وديمومة أي حالة حب, مشروطة بتبادل المشاعر بين الطرفين, وحتى نقول للأبناء إن وطنكم يحبكم كما تحبونه, علينا أن نعبر عن ذلك واقعا لا قولا, ومن أمثلة ذلك تكريم رجال الوطن الذين أنجزوا في رياضته عبر السنين, بحضور مشهود لكل الأجيال التي عاصرته أو سمعت عنه لاحقا.

كم ستكون تكاليف مباراة استعراضية, يلعب فيها جيل منتخب 1984, صاحب أول إنجاز تاريخي للكرة السعودية, بقيادة المواطن خليل الزياني, أمام جيل 1994 جيل العالمية؟ لا شيء يذكر مقارنة بالمكتسبات المعنوية التي ستترسخ في نفوس الأجيال الحاضرة للمشهد والمشاركة فيه. عندما نفعّل ذلك, فإننا نقول للصغار, إن وطنكم في يوم احتفاله لم ينس أبناءه الذين خدموه وأنجزوا مثل الزياني وفرقته, ولن ينساكم إذا صرتم إلى ما صاروا عليه. إن فعلنا ربحنا, وإن لم نفعل واكتفينا بتصدير برامج باهتة ومملة في احتفالات اليوم الوطني, فلا بد أن نتقبل رسائل السخرية المضادة على غرار: توصي شيء يا وطني أنا مسافر في يوم احتفالك!


*نقلاً عن الإقتصادية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.