.
.
.
.

فارس عوض

محمد حامد

نشر في: آخر تحديث:

شاعر يعيش في اللحظة، يدخل في عزلة عمّا هو خارج الملعب، يتخطى حدود المستطيل الأخضر، حتى يكون له فرصة أن يكون الشخص الوحيد داخل الملعب، تشعر أنه يهمس في أذن اللاعبين، يتغزل بالكرة، يلاحظ كيف تحدث المفاجأة.. ينسجم.. يكسر رتابة الكلام ويصدر فلسفته الخاصة.. كان بمقدوره أن يغير المفهوم السائد عن الصراخ، ويجعلك من دون وعي تحب أن يستمر للأبد.. يصرخ وتبتسم منساقاً للمتعة.

عندما تكون وحدك تتابع المباراة، لا تنسى أن تحضر فنجان قهوة إضافي وكرسي بجوارك، لأنك تعتقد أن فارس عوض صديقك، يجلس معك، يخبرك بشيء مختلف تماماً عن كل ما تراه، يهمس بكلمات تعرفها، لكنه يعيد ترتيبها حتى تكون قصيدة، فعليك أن تستسلم للطرب، وتمنحه فرصة تجاوز الشاشة، وتقاسمه الحماسة، وحتى إذا ما رغبت في الثمالة وجدت صوته قادراً على أن يسكن صدرك، ويتسلل عبر الفراغ حولك، وتركض خلفه لأنه سريع في إثارة الدهشة، وعليك أن تكون حاضراً بكل حواسك، طالما أنه يعتبر وظيفته تتعدى التعليق، وتصل لمرحلة التحليق من دون أن تخاف معه السقوط.

في ليالي الملل، يمكن أن تبعث برسالة: please call me لمستودع الذاكرة البصرية «يوتيوب»، واضعاً في مستطيل البحث: فارس عوض، فالنتائج كافة ستكون قديمة، المذهل، والمتجاوز للزمن، أنك بينما تتابع المقاطع ينتابك إحساس بأن ما تشاهده ليس مسجلاً، إنه شيء يحدث الآن، فعليك فقط أن تصنع خدعتك الخاصة، وتضع كلمة «مباشر».

أنا وبشكل خاص، في حال كان لدي فسحة من الوقت، أتحدث فيها عن نفسي، لن يفوتني أن أضيف أنه من بين الأشياء التي رافقتني وكبرت معي، كان صوت فارس عوض، ولم يكن يعرفني، لم يجلس يوماً في مقاهي شمال جدة، تلك المقاهي المندسة بين ورش السيارات، ويسمع معنا كيف يُصْمِت الحاضرين كافة، حتى يكون الصوت المرتفع، المتفق عليه في الإنصات، فصوت فارس عوض يدندن، ويتغنى، يخفف عنا خيبة الخسارة، ويجعلنا نواسي أنفسنا بأنه يكفينا نحن الذين نتغاضى عن جزء كبير من الحرمان، في مقابل نشوة جميلة تصدق علينا بها، الشاعر، الحكاء المعادي تماماً للملل والرتابة.


*نقلاً عن الحياة اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.