.
.
.
.

تونس تذوب كقطعة سكر في شاي إنجليزي

محمود ماهر

نشر في: آخر تحديث:


لسوء الحظ فشلت جميع المنتخبات العربية في بطولاتي أمم آسيا وأفريقيا مطلع هذا العام. الإمارات والعراق خرجا من نصف النهائي في أستراليا، أما تونس والجزائر فكان دور الثمانية آخر حد لهما في غينيا الاستوائية.


مستوى التحكيم في أمم آسيا كان مبشرًا بالخير، لكن لا ننسى أن الحكم البحريني شكر الله ظلم العراق أمام الإمارات في تصفيات أولمبياد 2012.


الظلم وارد في كرة القدم، وقد ألقى بظلاله من جديد بسبب ما حدث لتونس من ظلم في ثمن نهائي كأس أمم أفريقيا أمام أصحاب الضيافة.


أصابع الاتهام وُجهت على الفور لحضرة رئيس الكاف «عيسى حياتو» الذي لم تتطور معه الكرة الأفريقية بأي شكل من الأشكال على مدار الأعوام ال25 الماضية.


هذا ما رددته وسائل الإعلام التونسية بعد فضيحة احتساب ركلة جزاء غير صحيحة لغينيا في الدقيقة 90، وهم على حق في ذلك. مقدم الاستوديو «هشام الخالصي» والمعلق «عصام الشوالي» وحتى المترجم الذي بكى بحرقة حين كان يترجم كلمات خليلو فاديجا، كلهم على حق.


الكل أجمع على تورط الكاف، فكيف يدير اتحاد كهذا «ينبوع المواهب الحقيقية»، كل اتحادات الدنيا تطور من نفسها، والاتحاد الأفريقي لا يزال يقوم بعمل قرعة على طريقة «كيلو بامية» في أرض الملعب بين منتخبين متساويين في النقاط والأهداف «مالي وغينيا بيساو» لحساب المجموعة الثانية.


مع ذلك، ورغم كل الانتقادات الموجهة للكاف، التجارب علمتنا أن محاولات الاتحادات والهيئات لابتكار قوانين وطرق لحماية الحقوق لن يمنع الهفوات الإنسانية ولن يقي الرياضة من تدخل الضغوط الاقتصادية وربما السياسية بين الفينة والأخرى، وهذا واقع يصعب الفرار منه، سواء في عهد عيسى حياتو أو غيره، دعونا نتفق أن ما حدث كان سيحدث لتونس أو أي منتخب أخر أمام غينيا الاستوائية لانجاح البطولة إعلانيًا حتى لو تأثرت البطولة إعلاميًا.


الهفوة التحكيمية في الأولمبياد أو في التصفيات المؤهلة لكأس العالم أو في بطولات الأمم الأفريقية والأوروبية والأسيوية لا تجد الصدى اللازم حول العالم أكثر مما يحدث حين يتعلق الأمر بهفوة في مونديال الكبار، فمثلاً حتى هذه اللحظة الناس في ألمانيا يتذكرون هفوة حكم نهائي 1966 عندما لم تتجاوز تسديدة جيف هيرست خط المرمى، ولم ينس أحد في إنجلترا يد مارادونا التي قادت الأرجنتين لحمل المونديال للمرة الثانية في التاريخ.


لكن السؤال الأهم الآن، كيف تعامل الألمان وكيف تعامل الإنجليز مع الحالتين؟ صفحات التاريخ تروي لنا حكاية التحدى الألماني الذي قادهم للتتويج بكأس العالم في ثلاث مناسبات بعد ذلك فضلاً عن التواجد شبه الدائم في المربع الذهبي والنهائي بكأس أمم أوروبا، أما الإنجليز صحف ولاعبين ومدربين فدأبوا على التحدث عن ظلمهم وضعف نظر الحكم التونسي «علي بن ناصر» في كشف خدعة مارادونا. الألمان استخدموا هدف جيف هيرست ليكون دافعًا لهم والإنجليز أدخلوا أنفسهم دوامة لم ولن يخرجوا منها باستشعار الظلم على طول الخط.


في مونديال 2002، تعرضت إيطاليا للظلم التحكيمي البيّن في دور المجموعات أمام كرواتيا بإلغاء هدف من رأسية لفييري ثم أمام أصحاب الضيافة «كوريا الجنوبية» في ثمن النهائي بطرد توتي وتجاهل احتساب ركلة جزاء. وتواصلت فضائح كوريا الجنوبية مع «تظبيط التحكيم» عندما أصر طاقم حكام مباراتهم في ربع النهائي ضد إسبانيا على إلغاء هدفين صحيحين لفرناندو موريانتس، لتحدث الخسارة بفارق ركلات الجزاء، وتتأهل كوريا لنصف النهائي، كل هذا لأن مشاهدات البطولة في العالم ضعيفة لإقامة المباريات في الصباح بتوقيت أفريقيا وأوروبا، فأراد بلاتر تعويض خزينة الفيفا والمعلنين بمواصلة صاحب الضيافة إلى المربع الذهبي، وحياتو ما هو إلا تلميذ نجيب يطبق ما تعلمه من استاذه.


السؤال الأهم بعد فضائج مونديال كوريا واليابان، ماذا فعلت إيطاليا بعد أربع سنوات مع مارتشيلو ليبي في مونديال ألمانيا 2006؟ وماذا فعلت إسبانيا بعد ست سنوات مع أروجانيس في يورو سويسرا والنمسا 2008؟. أنتم تعرفون كيف أصبحا ملوكًا لأوروبا والعالم ولا حاجة لتفاصيل إضافية.


يقولون أن إنجلترا لا تمتلك مواهب، ولا تطور من منتخبات الشباب، والحقيقة غير ذلك فما أكثر المواهب التي ظهرت وتظهر في أكاديميات عمالقة البريميرليج، بالذات مانشستر يونايتد وليفربول وإيفرتون وتوتنهام، لكن كيف يتعامل الإعلام المحلي مع تلك المواهب؟ الإجابة: بالنفخ والتطبيل والتلميع المبالغ فيه والذي يعود بالسلب على اللاعب ويطفيء نجمه قبل أن يلمع.


وبنفس معياره في التعامل مع المواهب الشابة، يتسبب الإعلام الإنجليزي في إضافة أعباء نفسية على لاعبي المنتخب الأول قبل وأثناء البطولات الكبرى، بترديد ونشر نفس التقارير وطرح نفس الأسئلة في المؤتمرات الصحفية، واستحدام نفس الجمل الرنانة عن الظلم التحكيمي وسوء الحظ في ركلات الجزاء.


ما فعله الإعلام كان له تأثير سلبي على إنجلترا في كل البطولات والمباريات الحساسة التي خاضتها منذ بداية الثمانينيات حتى وقتنا هذا. الأمر تحول مع إنجلترا للشعور الدائم بالاضطهاد وأن كل الدنيا ضدها ما يفقد اللاعبين تركيزهم وثقتهم في أنفسهم مع أول هدف يهز شباكهم، وراجعوا كل مبارياتهم في اليورو والمونديال، حين يتأخروا يخسروا بنسبة 99٪، وإن حدث وتقدموا واهتزت شباكهم بهدف يضيعوا كل ما وصلوا إليه. هل رأيتم مباراة البرتغال في يورو 2000؟ تقدموا 2/صفر ثم خسروا في بضع دقائق 3/2، وتكرر الأمر نفسه ضد البرازيل في مونديال 2002 وضد فرنسا في يورو 2004 وغيرها من حالات.


الإنجليز لمدة 12 عامًا تحدثوا عن مارادونا بمناسبة أو من دون مناسبة، ومن يخاف من العفريت؟ (بيطلعله)، هذا ما حدث في مباراة ثمن نهائي مونديال فرنسا 98 تعرض نجمهم «بيكهام» للطرد بعد تمثيلية من سيميوني، والخوف من ركلات الجزاء والتحدث عنه باستمرار تسبب في توديعهم للبطولة بسبب الخروج من نصف نهائي يورو 96 أمام ألمانيا، وفي مونديال 2010 تحدثوا كثيرًا عن هدف لامبارد الصحيح في ألمانيا، وقامت الدنيا ولم تقعد حتى ارضاهم الفيفا بادخال تكنولوجيا خط المرمى بعد عامين فقط، والحال ازداد سوءًا بتوديع مونديال 2014 من الدور الأول!.


هل تريد تونس أن تكون مثل إنجلترا؟ ردة فعل العكايشي والشيخاوي والشرميطي وبقية اللاعبين بعد تسجيل غينيا الاستوائية لهدف التعادل من ركلة الجزاء لم يكن له أي علاقة بالاحترافية أو المهنية، تعاملهم مع المباراة ككل لم يكن احترافيًا، فأنت اليوم تلعب أمام صاحب الضيافة والحكم مجهول وعجوز وهذه آخر سنواته في عالم التحكيم، كل هذه عوامل تدفعك لأن تفكر 100 مرة في تستغل جميع الفرص أمام المرمى ولا تتفنن في اهدار الأهداف السهلة كما فعلت تونس، الظروف المحيطة يجب أن تدفعك لأن تنهي المباراة بهدفين أو ثلاث لمنع تدخل سافر وظالم من الحكم.


وحتى لو سُجل عليك هدف ظالم، ماذا بعد؟ هل تنسحب؟ لو انك فريق مترابط مثل المنتخب الألماني أو الإسباني لا تتأثر بالظلم وتسعى للعودة فيما تبقى من المباراة خلال 30 دقيقة بالاشواط الإضافية.


الخلاصة، ما رأيته في وسائل الإعلام التونسية يوحي بأنهم عشقوا الموضة الإنجليزية ودابوا فيها دوب ورضوا بالمكتوب، رغم أن منهج الإسبان والألمان والطليان الأجدر بالتطبيق من منهج الكلام الذي لن يغير من الواقع شيئًا، فما كان قد كان، وكل ما يكتب الآن سيكون له تأثير عكسي على هذا الجيل المميز من اللاعبين.

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.