مدرب زي هذا ما يتوفق

عادل العيسى
عادل العيسى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

من دون قميص يستر أعلى جسده كان يجلس على كرسيه وسط الملعب، سيجار بين شفتيه ونظارة سوداء تحجب عن اللاعبين عينيه وعنه «زرقة» السماء و«أشعة» الشمس، تمارين لياقية قاسية، غياب تام للكرة في وسط الملعب، إعياء يطول العناصر كافة... يوماً انفجر الغضب وذهب اللاعبون إلى مدربهم ومن خلف دخان سيجارته قالوا بوضوح: «لسنا (مغاوير) ولا هذه تدريبات التحاق بفرقة (صاعقة) عسكرية»، فرد بهدوء حاد يغلفه غرور يبحث عن استفزازهم: «لا يصاب في الفرق التي أدربها أحد، طبقوا ما أقول وسينتهي الموسم من دون أن يصاب منكم أحد»، قبل منتصف الموسم تساقط لاعبوه وامتلأت العيادة.


مرة جمعني بأحد الإداريين في النادي حديث شخصي، وفيما كانت السعادة العنوان الأوضح لمشاعره بعد إقالة المدرب الوطني من تدريب الفريق ليحل بدلاً منه الأوروبي الجديد، عاد قبل أن ينتهي حديثه ليقول معلقاً على آمال فريقه في الموسم الحالي بعد تشديده على حماسة اللاعبين اللافتة: «اللي يخوفني إن مدرب زي هذا ربك ما يوفقه»، ذلك كان نص حديثه، لكنه لم يشأ أن يفصل وحتى بعد الإلحاح الذي يعد جزءاً من مهنتي لم يقل أكثر من: «من لا يحترم لاعبيه لن ينجح».


كان الموسم لا يزال في بدايته، لذلك فبناء التوقعات على تلك الأحاديث بدا غير منطقي، قررت أن أتابع المشهد وأن أعرف الأخبار، في مباراة الشباب وبين شوطي الخسارة دخل اللاعبون غرفة الملابس، هناك وحيث كان المدرب يعرف أن أحد لاعبيه لا يحظى بقبول جماهيري قرر أن ينتقده، لكنه عمل بالضبط وفق مخاوف الإداري، فبدلاً من أن يوجّه اللاعب فنياً أساء له، شتمه وشبهه بالنساء، جرّده من حق ارتداء الشعار، قبل أن يعيده إلى الملعب «باكياً»، بعد المباراة سألت أحد المحللين عن مستوى اللاعب المعنف في الشوط الأول، فأشاد به.


لم تتغير الأسماء كثيراً، لا يمكن أن نطبق الحديث ذاته على المستويات، أبرز اللاعبين في الموسم الماضي باتوا الأكثر ضياعاً في الحالي، شيئاً بالتأكيد تغير، اللاعب المبهر في الموسم الماضي كاد أن يطير إلى غير رجعة في الفترة الشتوية، لأنه ومن دون تنميق أضحى «فاشلاً»، لكن أحداً لم يسأل لماذا أو كيف فشل؟ باختصار بات اللاعب يخشى أن تقتله التدريبات اللياقية غير المجدية، قال اللاعب نفسه غير مرة: «نحتاج إلى أن نتدرب على كرة القدم، نحتاج إلى أن نكون جاهزين في الملعب، إننا نخوض المباريات بأعباء لياقية كافية لقتلنا في الملعب، إننا نعاني داخل الميدان، سيقتلنا هذا المدرب»، قال ذلك بداية الموسم، وهاهو يحدث اليوم.


في بداية الموسم قال المدرب بوضوح: «لن أعمل مع الطبيب الموجود، تعاقدوا مع ابن جلدتي»، فجاء الجواب الإداري: «الطبيب باقٍ، اللاعبون يصرون عليه ونحن نثق به»، بالنسبة للمدرب ما من مشكلة تولد من دون حل، دخل عيادة المعسكر الصيفي، سأل الطبيب عن جاهزية اللاعب الخبير فرد عليه: «يحتاج إلى المزيد من الجرعات العلاجية، ليس جاهزاً للمشاركة في المناورة»، خطفه المدرب وأشركه في مناورة فأصيب، عاد المدرب للإدارة وكذب فقال: «طبيبكم (عطب) الموهوب، طبيبكم ليس صالحاً للعمل».. وصلت الرسالة، نقل الطبيب إلى عيادة الراعي الطبي، وحضر آخر يحمل جوازاً يشبه جواز المدرب.


كل ما حدث ويحدث لا يدار في خندق سري ولا ثكنة عسكرية معزولة، كل ما يتدمر تتناثر شظاياه أمام أعين الإدارة، أما الصمت عنه فضريبة انقسام المدرج، ضريبة عزل المدرب السابق، رحيل المدرب الفاشل سيقول بأن قرار إقالة سابقه خطأ على رغم أنه لم يكن كذلك، الخطأ الوحيد في كل ما حدث ويحدث أن من اختار المدرب الحالي والسابق ومن سبقهم إلى الفشل لا يزال باقياً، أما المتحدث الرسمي فكان أكبر المراهنين على الفاشل، لذلك يرفض قول الحقيقة، وبدلاً من ذلك قرر تزييف الحقائق وإهداء الألقاب والتلاعب بالتاريخ بمباركة رئيسه.
هذه القصة من صنع الخيال، وأي تشابه بين أحداثها والواقع محض صدفة.

*نقلا عن الحياة اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.