كرة القدم.. حمامة السلام العالمي
قواعد الحياة ثابتة.. ولكن فهمها متغير، حسب الوعي والغايات والنوايا.
عندما انطلق العصر الأولمبي الحديث -نهاية القرن التاسع عشر، جاء من منطلق: تحفيز المجتمعات والأفراد على تطوير ذواتهم وإمكاناتهم، لتلتقي الثقافات في بوتقة واحدة، وتتنافس الدول بشرف، لتفوز وتخسر دون قتل أو حقد أو تعصبات. فالرياضة هي النقيض الأقوى للحرب.
عندما تأسست (الفيفا) بداية القرن الماضي، لم تكن سوى ترسيخ لتلك المفاهيم الراقية، عبر توحيد العالم من خلال مسابقات كرة القدم. وتجلت مهمتها حول: تطوير كرة القدم في كل مكان ولصالح الجميع لإيصال صدى اللعبة إلى العالم.. و(بناء مستقبل أفضل للشباب.. وتنمية المجتمعات من خلال تأثير اللعبة العالمي: التربوي والثقافي والإنساني.. والتقليل من المؤثرات السلبية.. وعمل أفضل ما يمكن لنشر الروح الإيجابية.. وجعل اللعبة للكل دون عنصرية أو تحيز.. «نحن نعمل على التأكد من أن هذه هي قضيتنا»). ما بين القوسين هو مقتطفات من رسالة (الفيفا) ذاتها.
من أجل ذلك، وجب استغلال شعبية لعبة كرة القدم بعناية، والتعامل مع أهدافها بحذر. فالأندية الرياضية مهمتها تتجاوز كرة القدم -رغم كل ضغوط بعض الجماهير المتحمسة، لتصل إلى حياة الشباب والمجتمع وتعمل على الحد من الآثار المجتمعية السلبية على الشباب وصغار السن وتطوير محيطهم ببرامجها الرياضية والتربوية والإنسانية.
ما يحدث في عالم كرة القدم في مجتمعنا وضع معظم الأهداف السامية في سلة المحذوفات، بسلوكيات بعض رؤساء الأندية -وبرامجهم الحالية والمستقبلية، مرورا بطريقة تفكير مجالس الإدارات وأعضاء الشرف.. واللاعبين أنفسهم.. وانتهاء بتعاطي الصحافة الرياضية لمفهوم كرة القدم؛ حيث أججت -بجهل وتوهان واضح- لقيم: الفوز، والخسارة، والعنصرية، والتعصب.. وتفننت في صناعة الكراهية والعنف الثأري.. وما إلى ذلك من قيم تتناقض تماما مع القيم الأساسية للعبة كرة القدم.
مفهومنا لكرة القدم برمته سقط في وحل لزج.. لن يستطيع الخروج منه سوى بانتفاضة تطهير جماعية، لإخلاء الساحة من كل رئيس ناد، أو أعضاء شرف أو إدارة، أو لاعبين، أو صحفيين، أو برامج رياضية.. لا تستوعب الأهداف السامية من هذه اللعبة الساحرة. كل أولئك يجب أن يتوقف ويقتلع -بلا عودة- في عملية تطهير جماعية، حتى لا تظل كرة القدم في مستنقع لا يزداد مع مرور الأيام سوى لزوجة وتوسعا يستولي على كل ما حوله من قيم الفضيلة المجتمعية.
طالما استحوذت اللعبة على المجتمع بكافة شرائحه إلى هذه الدرجة، وجب علينا أن نستثمر أهدافها السامية.
كرة القدم.. مصدر تحفيز.. وتنتمي للجميع، وبالتالي تعمل من أجل بناء مستقبل أفضل للجميع بمفهوم الاستدامة.
*نقلاً عن عكاظ السعودية