.
.
.
.

هذا ليس خطاب أزمة

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

بالقطع ما كان أحد بيننا يجزم بأن التحكيم المغربي تخلص كليا من الرشح الذي أصابه ذات وقت وعرضه لقصف قوي بعيارات النقد الموجعة، وقد بلغ حكامه الشباب سن النضج وباتوا مؤهلين ذهنيا وبدنيا وفكريا لإدارة مباريات عامرة بالحساسيات، إطلاقا ليس هناك من قال بهذا حتى ننتفض اليوم إزاء هذا الذي بات يتداعى يوما على هوامش المباريات ويعيدنا لمناخات التشكيك.
وبالقطع أيضا لا يمكن أن نضع أخطاء الحكام المقترفة في سلة واحدة، فنعمم الحكم وندخل التحكيم مجددا في أنفاق الأزمة التي تفقد الثقة بالعمل وبالقدرات ونشيع أجواء مكهربة ليس بينها ما يشجع على المثابرة، بخاصة وأن مشهدنا الكروي بات يحتاج لربح رهان الإحترافية وإلى أن يكون كل المتدخلين في اللعبة على خط واحد من الأهلية ومن سلامة النوايا أيضا.
وبين الأمرين هناك أمر ثالث لن نختلف عليه، هو أن المباريات الأخيرة للبطولة الإحترافية أصبحت مفتوحة ومن جديد على أخطاء قاتلة يقترفها الحكام أكانوا حكاما رئيسيين أو حكاما مساعدين، أخطاء تغير من حقيقة المباريات وتلبسها نتائج لا تتناسب وطبيعتها التقنية، ووجدتني أتفق بالكامل مع المدربين عبد الهادي السكيتيوي وجمال السلامي وهما يتحدثان عن سلخانة تحكيمية أنتجت عملية ذبح علنية لحسنية أكادير في مباراته أمام إتحاد طنجة وللدفاع الجديدي في مباراته أمام الرجاء البيضاوي، فمهما إستمعت لدفوعات خبراء التحكيم عند تبرير الأخطاء المرتكبة والملكفة فإنني من دون حاجة لهضم مواد قانون التحكيم سأعتب كثيرا على الحكمين نورالدين إبراهيم ويوسف لهراوي للشطط الذي استعمل في إدارة المباراتين كما هو عتبي كبير على حكام آخرين أفسدوا مباريات وعوقبوا من لجنة التحكيم إما بحجبهم عن مباريات البطولة الإحترافية أو بإنزالهم لبطولات الهواة.
وكما أنني أخالف من ذهب إلى تقديح الخرجات الإعلامية لكل من السكيتيوي والسلامي لتبرير هزيمة الحسنية وتعادل الدفاع الجديدي، بالنظر إلى أن هناك حيفا كبيرا وقع لا يمكن لأي مدرب أن يغفله وهو يتحدث عن مباراة لا أحد يستطيع أن ينفي أنها تتأثر بشكل أو بآخر بقرارات الحكم، فإن كانت قرارات مجحفة وظالمة أساءت للمباراة وللفريق الأكثر تضررا، كما أعلل تلك الخرجات الإعلامية المحمولة على محمل الوجع ولا أرى موجبا لتبئيسها، فإنني أستعير تصورا جميلا قدمه المدرب عبد الهادي السكيتيوي للمفعول السلبي لكل خطأ يبدر عن حكم، فقد قال ما معناه: «عندما يفوز أي فريق يتوجه المدرب رأسا إلى إستثمار حالة الفوز ذهنيا وتكتيكيا بالحث على مزيد من العمل، وعندما ينهزم أي فريق فإن مدربه يتوجه رأسا إلى الأخطاء التكتيكية الفردية والجماعية المرتكبة في محاولة لتصحيحها حتى لا تتكرر، أما عندما ينهزم أي فريق بأخطاء كارثية للحكم، فلا أعرف كيف يمكن للمدرب أن يعاتب لاعبيه ولا كيف يمكنه أن يصور للاعبين أن من هزمهم هو الحكم وليس الفريق الخصم، إنها حالة لا يتمناها أي مدرب».
والسكيتيوي على حق، لطالما أن الهزيمة عندما ترتبط بأخطاء تكتيكية أو إستراتيجية يكون من السهل على أي مدرب أن يوجد لها خطابا نقديا وآليات للتصحيح والتقويم، أما أن تكون الهزيمة بفعل ظروف قاهرة ومن صنع أجسام غريبة فهذا ما لا يستقيم معه المنطق.
قد لا يكون ما شاهدناه من أخطاء تحكيمية دالا على وجود أزمة هيكلية تستدعى مراجعة المقاربات المعتمدة في تكوين الحكام وفي انتقاء أكثرهم كفاءة وشخصية لقيادة مباريات يفترض أنها مباريات المستوى الإحترافي، ولكن لا شيء يجعلنا نقبل بما يدعيه البعض من أن هذا الذي حدث لا يعدو أن يكون حالات معزولة لا يصح معها القياس ولا الجزم بأن التحكيم المغربي في أزمة، هناك حاجة لنقد عميق وقراءة متأنية لمردود كل الحكام الذين أعطوا فرصا ذهبية للإرتقاء في سلم المباريات، لمعرفة حقيقة المخزون البشري الكفء قبل أن تدخل البطولة الإحترافية بقسميها النصف الثاني الذي تكون فيه أخطاء التحكيم أشبه بالإنتحار.

*نقلاً عن المنتخب المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.