.
.
.
.

ثورة الشك في الأهلي

صالح الخليف

نشر في: آخر تحديث:

الكتابة عن الأندية السعودية تشبه تماماً المطاعم الإيطالية.. فخامة وخدمة ونظافة ونضارة وأسعار باهظة الثمن.. والوجبات مجرد ديكور..!!


أقصد أنها ما تبرد قلبك ولا تشفي غليلك ولا تملك قدرات هجومية توقف اطيط الأمعاء الخاوية عند أناس يفطرون كبدة حاشي ويتغذون كبسة أو مقلوبة أو مثلوثة ويتعشون وجبة سريعة من هرفي أو ماكدونالدز أو تشيك تشاك.. هكذا هي الكتابة عن الأندية السعودية تبدو في أحيانها الكثيرة مليئة بأجواء الفخامة لكن النتيجة أوراق واهنة في وجه هزيز الرياح.. وحتى أوضح أكثر أقصد أن الذين يكتبون عن الأندية يقولون كلاماً يتوازى شكلاً وحجماً ومضموناً مع طبق لازانيا ساخن اضطر جائع لا يفضلها ولا يحبها ولا يستسيغها على التهامها.. وما للمضطر إلا ركبوها..!!


اضطررت مجبراً لا بطل للكتابة هنا عن ملكي الأندية السعودية الأهلي.. جاءني اتصال من دبي.. في العربية نت وجوه انحرم أمامها من الهروب والتعذر والرفض.. سمعاً وطاعة.. وبدأت أكتب.. لكن ماذا عساي أن أقول عن الأهلي أكثر من أهله؟.. وماذا يمكن أن أتذكر وذاكرتي خاوية على عروشها عن هذا الذي سموه ولقبوه بالراقي؟..


فما هي علاقته مع الرقي؟.. خاصة وأن العرب لديهم فائض كبير ومساحة شاسعة من توزيع الألقاب مثنى وثلاث ورباع.. ليس هناك لاعب سعودي لا يملك لقباً.. كلام.. والكلام ببلاش!!


كرة القدم وصراعاتها وحروبها وتنافسها وأدغالها يبدو الرقي وهناً وضعفاً وقلة حيلة.. فهل الأهلي فعلاً كـ بيت العنكبوت؟!..


هل هذا الأهلي فشل في معاركه مع أضداده فاتخذ من الرقي شجاعة لتجنب أي صدامات لا تليق بمن مثله؟


هل خسر الأهلي أكثر مما ربح من هذا المشي اللاهث في طريق الرقي؟!..


هل الرقي بأبعاده النفسية العميقة يصلح كأسلوب تتعامل فيه الأندية الكروية مع الاتحادات والقرارات والعقوبات وأمور تدبر بليل كالح السواد؟!..


هذا كله يمكن الإجابة عليه بجلسة قهوة وطبعاً ليس بالضرورة أن تكون كل الإجابات صحيحة أو مثالية أو نموذجية.. لكنها إجابات والسلام.. إنها وجبة إيطالية ليس إلا..!!


أعود مسرعاً مستعجلاً للحديث عن علاقتي مع الأهلي وكيف أراه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً..


ماجد عبدالله ـ سامحه الله وعفى عنا وعنه ـ وضع بيني وبين الأندية سياجاً من حديد.. تعلقت وعرفت كرة القدم مع هذا الماجد حتى خيل لي بأنها ستنتهي مع نهايته.. ولم تنته بالطبع كما توهمت.. إنها أوهام المراهقين.. وكرهني بالكورة وترك لي الذكريات.. والحياة كلها رحلة قصيرة من ذكريات تتفالت من خيالك كما يتفالت الحزن والفرح..


معيشتي بين رفحاء والرياض أوهمتني أن الكرة السعودية نصر وهلال وماجد عبدالله.. وما بينهما مجرد هوامش..


الجماهير في الشمال منقسمون بين الحزبين الأصفر والأزرق.. في الرياض لا تختلف الصورة كثيراً.. أعي وأعرف وأدرك أهمية الأهلي والاتحاد وعلى مستوى أقل الاتفاق والشباب لكنهم أبداً لا يصلون إلى مستوى الهلال والنصر في المتابعة الشعبية والجماهيرية والإعلامية والاجتماعية.. هذا كله في ذهني الذي خدعني أكثر من ثلاثين عاماً..


جئت إلى جدة وتغيرت أشياء كثيرة في عقلي وقلبي وتفكيري..


كانت لدي قناعة شبه راسخة بأن الاتحاد مسيطر تماماً على حالة العشق الجداوية.. والأهلي يملك مدرجاً يقف على الضفة الأخرى بخطوات بعيدة.. الحكم على الأشياء من خلال قناعاتك ورؤيتك الاستشعارية لا يعطيك الحقيقة ولا جزءاً منها..


كنت أظن أن الأهلي لم يمر عليه لاعب واحد يستحق الذكر والبقاء في الذاكرة.. تعرفت على الصديق الوثيق الدكتور راشد بن زومة.. أهلاوي برؤية ومنطق واتزان.. أهلاوي بعقل وقلب وهوية.. الأهلي بالنسبة له يمثل الحل الأمثل لمزاج يبحث عن النضج الكروي.. أعادني إلى خالد مسعد .. أعطاني طرف الخيط المفقود.. إنه اللاعب الأقرب للمهارة على الأرض.. هكذا يقول.. تركت ذاكرتي تسبح من جديد في غياهب وأحداث كرة القدم.. كأنني أصحو من نوم عميق.. كيف أبعدت خالد مسعد عن ذائقتي.. كنت أظن أن ماجد أهداني لأكون كروياً راقياً.. فكيف لا أخبي اسماً ينتمي للرقي في جيبي.. كيف أحب ماجد وأحب مارادونا وأحب الثنيان.. وأنسى خالد مسعد؟..


يا الله.. كيف خرج خالد مسعد من القائمة؟.. ليت الزمن يعود لأرتب أولوياتي.. خالد مسعد ذاك الأسمراني الذي كان محمود درويش يصفه هو فقط حينما ردد: "منتصب القامة امشي".. يغنيها مارسيل خليفة فتبصم بالعشرة أنه يقصد مسعد بعينه.. كانت خطواته التي تلامس العشب الأخضر باستحياء تحبس وراءها نجومية مبهرة لا تراها العين المجردة بسهولة.. البطولات كما يقول الدكتور راشد ظلمت مسعد كثيراً.. جاء في زمن غاب الأهلي فيه عن المنصات.. هذا ليس مهماً.. المهم أنه تسلل من الروشتة التي تجعلني أروق وانبسط كما هي شوكولاته باتشي وماونتني.


الأهم أن خالد مسعد ظاهرة تحتاج إلى إعادة قراءة وإعادة صياغة وإعادة إقحامه في الحديث عن الأساطير خاصة في وقت ظلت الأسطورية بضاعة مزجاة في بازار اللاعبين السعوديين حتى أولئك الذين قضوا أكثر حياتهم أسرى مقاعد الاحتياط..


الأهلي راقي.. ما من شك في هذا.. هناك دلائل وبراهين وإثباتات وحجج تقطع الشك باليقين على هذا.. خالد بن عبدالله أولاً.. رجل لم تغيره المراحل والظروف.. كل من عرفه أو جالسه أو قابله خرج بانطباع وحيد بأن الرمز الأهلاوي رجل دمث الخلق والأخلاق.. إنسان تسبق بساطته أمارته.. رياضي روحاً لا ميولاً.. نادي هذا كبيره ماذا عساه أن يكون.. طوال مشواري في الصحافة ومتابعتها ولهفتي معها وعليها نادراً ما أقرأ أو أطالع تصريحاً أو كلاماً يؤذي المسامع مصدره الأهلاويين..


انعكست شخصية خالد بن عبدالله على الأجواء الأهلاوية فصار الرقي دستوراً ومنهجاً وطريقاً لكل من ينتمي لذلك الإخضرار المشبع بالوعي والاحترام..


الأهلي الأقل صخباً وضجيجاً بين أصحاب الصوت العالي والواطي.. وأقصد بالواطي القصير طبعاً.. الصراعات في الإعلام ليست وجبة أهلاوية مفضلة.. ترك لهم الحاشي وكبدته والمثلوثة وراح يجلس في مطعم إيطالي فاخر وجديد..


ترك لهم هذا المكان ورفض استقطاع نصيبه من كعكة الضوء.. وقال لهم بنبرة هادئة.. موعدنا الملعب.. ليس ملعب كرة القدم فقط.. ملعب اليد والطائرة والتنس وعشرات الألعاب المختلفة التي ظل منذ أزمنة عملاقاً متوجاً على رؤوس الأشهاد فيها..


الأهلي مجدد سابق عصره.. على الأقل حينما يأتي الحديث عن السعوديين ورياضتهم.. كان أول من أسس وانتهج فكرة الاحتفالات والتيفوات والكرنفالات.. اجتذب أجواء الحضارة الكروية.. جاء بمارادونا في عز مجده وأمجاده حتى باتت تلك الليلة حدثاً تاريخياً لا ينسى بغض النظر عن عاصفة الغضب وما قيل وكتب عنها في إطاراتها المتعددة..


لعب الأهلي في خميس مشيط هذا الموسم أمام ضمك في منافسات الكأس.. اكتظ الملعب عن بكرة أبيه بالجماهير.. كان بالنسبة لي مشهداً مهيباً.. أرى طفلاً متعلقاً بأسوار الملعب.. أشاهد شيخاً يرقب المباراة من سفح جبل.. يكفيني هذا يقيناً أن الأهلي عملاق جماهيرياً ولا يضاهى..
يتوج الأهلي هذا الموسم باللقب الأصعب بعد مداد من المحاولات المتأخرة.. ما السبب وراء كل تلك القطيعة.. أظنها ثورة الشك.. الغريب أكثر أن من كتب تلك الكلمات الخالدة هو باني الأهلي الراحل عبدالله الفيصل ـ أسكنه الله فسيح جناته ـ وبالطبع ازدادت شهرة ومكانة مع أم كلثوم ـ رحمها الله وتغمدها بواسع منه وكرمه ورحمته ـ ..


التقى عبدالله الفيصل بأم كلثوم في واحد من أهم الأعمال الغنائية العربية.. والتقى الشك بالأهلي في بطولة الدوري.. صار حصول الأهلي على الدوري أمراً مثيراً للشك لدرجة أن هناك فصيلاً طويلاً من السذج سار وراء أن ما يحدث ليس إلا تفسيراً لمجيء مارادونا.. أصبح بمقدور الأهلي الحصول على أي بطولة.. إلا الدوري.. صار الدوري بالنسبة للأهلاويين حلماً بعيد المطال والمنال.. يقول داهية الفلسفة سقراط بأن الجاهل يؤكد والعالم يشك والعاقل يتروى..


أظن أن الأهلاويين اجتمعوا هنا.. اجتمعوا في خيال سقراط.. هناك من كان فعلاً يؤكد أن الأهلي لن يحصل على الدوري.. هي الجهالة بالتاريخ ومسيرة الزمن.. وهناك من يشك في أن يعيد الأهلي نفسه بطلاً للدوري.. شك في محله أحياناً.. لكن المبررات ليست في محلها.. وهناك من يتروى.. يتروى وينتظر وأظن أكثر الأهلاويين انتظروا بما فيه الكفاية حتى حقق الله مرادهم .. وفي الوقت المناسب..


أيها الشك إليك عنى.. كنت عندي وفي معيتي وفي حضرتي وفي سكني وفؤادي.. الآن أصبحت من الماضي..
أيها الشك.. يقول الناس إنك خنت عهدي..


وأعطيت الدوري للأهلي..


أيها الأصحاب الأهلاويون.. ليلة هانئة سعيدة.. أعادها الله عليكم كل عامين.. على الأقل!!

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.