.
.
.
.

مُلهم رانييري ومنبع المعجزات الكروية

محمود ماهر

نشر في: آخر تحديث:

برهنت مُعجزة تتويج ليستر سيتي بالبريميرليج هذا الموسم على أن الأراضي الإنجليزية هي المنبع الحقيقي للمعجزات الكروية، التي يصعب تكرارها ومعايشتها في أماكن أخرى حول العالم وليس في الدوريات الأوروبية الكبرى فحسب.

كانت العودة السريعة لمانشستر يونايتد بعد فاجعة سقوط طائرته في ميونيخ عام 1958، البصمة الأبرز في ورقة المعجزات خلال القرن الماضي، إذ بنى عليها النادي قاعدة جديدة أوصلته لقمة المجد المحلي والقاري، بينما كان كبير الطليان في الأربعينيات "تورينو" يعاني ويلات الحروب لتحقيق نفس العودة بعد تعرضه لنفس الأزمة بسقوط طائرته في سوبرجا عام 1949.

العودة من كارثة ميونيخ لم تكن مُجرد مُعجزة كروية بل إنسانية، رسخت مقولة الفيلسوف براونبخ "نحن نسقط كي ننهض، وننهزم في المعارك لنحرر نصرا أروع، تماما، كما ننام لكي نصحوا أكثر قوةً ونشاطًا".

مانشستر يونايتد وغيره من الأندية التي عانت من الكوارث والإفلاس لم ترفع الراية البيضاء وعادت لتحارب من جديد، ولنا في نوتنجهام فورست عبرة حين أبهر العالم بأقل الإمكانيات مع المدرب بريان كلوف بالفوز بدوري الأبطال مرتين متتاليتين دون التتويج بالدوري المحلي، وفي السنة الأخيرة من النظام القديم للدوري الإنجليزي خطف ليدز يونايتد اللقب من بين الثلاثة الكبار "مان يونايتد وأرسنال وليفربول" في حضور لاعب حُكم عليه بالإعدام المهني في بلده فرنسا، هو إيريك كانتونا.

ما فعله ليستر ذكرني بمعجزات إنجليزية كثيرة، مثل معجز قلب أكاديمية مانشستر يونايتد لتأخرها أمام بايرن ميونخ بهدف لفوز بهدفين في غضون دقيقتين بواسطة بديلين في نهائي الأبطال على كامب نو عام 1999، ذكرني أيضاً بالانتفاضة الشرسة لليفربول أمام ميلان في نهائي الأبطال 2005 على ملعب أتاتورك باسطنبول، في درس لن ينساه عشاق ميلان إلى الأبد، وأعادني بالفعل إلى الخلف 30 عاماً عندما وعد فيرجسون وسائل الإعلام وجمهور مانشستر يونايتد وجمهور ليفربول عام 1986 بتحقيق 13 لقبا للبريميرليج والانفراد بلقب أكثر ناد يحقق الدوري في التاريخ.

ما فعله رجال رانييري أدار أمامي شريط ذكرياتي مع انتزاع مانشستر سيتي للبريميرليج من مانشستر يونايتد عام 2012 في الثانية الأخيرة من الموسم بهدف أجويرو الشهير أمام كوينز، وهي الصدمة التي أسالت لُعاب أقلام النقاد في كل مكان.

تجربة بلاكبيرن

الفريق الفائز بالبريميرليج عام 1995 هو المُلهم الحقيقي لليستر سيتي ورانييري، فتجربته تشبه لحد كبير تجربة الثعالب الذين كانوا يُفكرون بنفس الكيفية ويتعاملون بنفس الاستراتيجية، بالاعتماد على لاعبين غير معروفين وربما مشاغبون مثل إريك كانتونا الذي جاء انضمامه لليدز مفاجئًا للجميع فقد كان هاويًا مثله مثل فاردي بل أكثر بسبب مشاكله الاخلاقية التي أدت لإيقافه لـ12 مباراة في فرنسا بسبب اعتداء جسدي على حكم في إحدى المباريات!.

لكن ما ميز إنجاز ليستر عن سائر الإنجازات الأخرى، هو حدوثه بعد شهور قليلة جدًا من منافسته على البقاء ضمن أندية البريميرليج أمام هال سيتي وكوينز بارك رينجرز وبيرنلي بموسم 2015/2014، على العكس من ليدز وبلاكبيرن اللذين كانا في صراع دائم مع الكبار، فمثلاً بلاكبيرن نافس بقيادة مدربه «كيني دالجليش» في الفترة من (1991 إلى 1995) على المراكز المؤهلة للمنافسات الأوروبية ليحتل المركزين الرابع والثاني خلف مانشستر يونايتد عامي 1993 و1994.

وفي الموسم التالي 1995 توج بالبريميرليج مع خليفة جاري لينكر في المنتخب الإنجليزي «آلان شيرار» والذي سجل 34 هدفًا في ذلك الموسم جنبًا إلى جنب أكثر من لاعب له سمعة على الساحة آنذاك مثل جريام لي سوكس وكيفن جالاكير وجاسون ويلكوكس ونيكي ماركير والنجم الاسترالي روبي سلاتير ونجما إنجلترا ديفيد باتي وإيان رايت، بالإضافة للقائد "تيم شيروود" الذي فضلته إدارة النادي على ضم الوجه الجديد المعروض عليهم من بوردو الفرنسي "زين الدين زيدان".

بخلاف الاستعداد، التشابه الكبير بين تجربة بلاكبيرن وليستر، تتضح في ظروف عناصر كلا الفريقين وتقارب مستوياتهم الفنية، فكيني دالجليش تعرض لظروف صعبة في أيامه الأخيرة مع ليفربول وأراد إثبات نفسه في تجربته الجديدة، وهو سيناريو مشابه لما واجهه رانييري الذي طرد من كل فريق دربه، والقائد تيم شيروود لا يختلف في شيء عن درينكواتر، نفس القوة والسرعة والقدرات القيادية داخل الملعب، وجيمي فاردي قريب جدًا من مستوى آلان شيرار في انهاء الفرص من خارج وداخل منطقة الجزاء، ويستطيع تسجيل الأهداف السينمائية.

لكن.. تتويج الفريق الأفقر بين أندية البريميرليج هذا الموسم بلقب البطولة في عصر الرأس مالية والجيوب المحشوة بملايين الدولارات، مذاقه غير عادي، مذاق يشعرك بأن الأمل صار داخل كل شخص فقير يحلم بالوصول لمبتغاه، مذاق يشعرك بأن أي منافسة ستحسم من الآن فصاعدًا بالانضباط والتفاني في العمل دون اعتماد على سمعة وصيت أو كما يقولون "الخبرة" التي لم تكن لها أي قيمة أمام إيمان رانييري ولاعبي ليستر في حظوظهم حتى اللحظة الأخيرة من الموسم.

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.