.
.
.
.

الكرة تنتقم للـ «القرش الدولفن»!

محمود ماهر

نشر في: آخر تحديث:

لعب المنتخب البرتغالي أمتع كرة في كأس أمم أوروبا 2000 مع فيجو وجواو بينتو وريو كوشتا ونونو جوميش، وبالمثل فعلت هولندا مع جيل إدجار ديفيدز وسيدورف وزيندن وبيركامب وكلويفرت ورونالد دي بوير، لكن واقعية فرنسا هزمت البرتغال وحرمتها من الترشح إلى المباراة الأخيرة بركلة جزاء غريبة لا تحدث كل يوم سجلها زين الدين بعد احتسابها على آبل تشافير، ودفاعية إيطاليا بعد طرد زامبروتا قتلت آمال الهولنديين في تكرار إنجاز رفاق فان باستن، ليصعد أسوأ فريقين إلى النهائي آنذاك، وتخسر الكرة الجميلة وتربح الكرة القبيحة.

تمر السنين وتخفق البرتغال من جديد بنصف نهائي مونديال 2006 أمام واقعية فرنسا وتعملق زين الدين زيدان الذي كان يقدم أفضل نسخة أوروبية ممكنة لمفهوم الـ One man show التي رسختها الكرة اللاتينية مع بيليه ومارادونا ورماريو ورونالدو.

اعتقد عشاق المنتخب الفرنسي أكثر في الكرة الواقعية وربما في الـOne man show، وتضاعف هذا الإيمان وترسخ أكثر حين تجاوزوا عقبة جمهورية أيرلندا في الملحق المؤهل لمونديال 2010 بهدف خسيس سُجل بواسطة يد تييري هنري.

القدر أراد مُعاقبة فرنسا على كل ما مضى، فحتى أمام البرازيل في مونديال 1998 استخدموا أساليب وضيعة لإيقاف خطورة رونالدو، ولقطة السقوط المُتعمد من بارتيز على جسد الظاهرة لا تزال متداولة بين عشاق السامبا حتى وقتنا هذا.

الديوك عُوقبوا بالخروج المبكر من مونديالي 2002 و2010، ودفعوا ثمن اعتمادهم التام على زيدان في نهائي مونديال 2006. عقوبات وجدتها عادية، وانتظرت الأشرس منها عندما استضافت فرنسا يورو 2016.

وبالفعل، بعد نتائج جيدة جدًا في البطولة وأداء ممتع في ثلاث أو أربع مباريات على الأقل، وبقدم لاعب محترف في ليل الفرنسي على طريقة «ديفيد تريزيجيه» أمام إيطاليا، وفي الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني وعلى ملعب سان دوني، خسرت فرنسا البطولة التي أرادتها بشدة لتضميد جراحها من الهجمات الإرهابية التي أغرقت شوارعها بالدماء على مدار عامين.

فرنسا كانت أفضل من البرتغال بكثير، وأضاعت وابل من الفرص السهلة أمام مرمي ريو باتريشيو. تسديدة ورأسية من جريزمان، ورأسية وانفراد من جيرو، وتصويبة ارتدت من القائم من جينياك في الدقيقة 87، أما البرتغال فإنكمشت قدر المستطاع ولعبت على الهجوم المرتد «غير الكاسح» بعد خروج رونالدو بإصابة في الركبة خلال أول 20 دقيقة.

كثيرون شككوا في أحقية البرتغال نتيجة ثلاث تعادلات في دور المجموعات وانتصارات باهتة وأخرى بشق الأنفس في الأدوار الإقصائية على كرواتيا وبولندا وويلز، كما أن هذه ليست البرتغال التي نعرفها، فلأول مرة لم تُقدم المستوى الكروي الذي يشفع لها أمام محبيها وجماهيرها العريضة بالذات في أميركا اللاتينية والوطن العربي، لكنها لم تفوت الفرصة على نفسها لتقديم شيء ما يستحق التقدير بخلاف الروح والعزيمة ومحاربة المشككين، ألا وهو الستوى البدني الثابت.

ما فعله فرناندو سانتوس مع مدرب الأحمال «جواو آروسو» يُدرس في كتب كرة القدم فرع اللياقة البدنية، فقد كانت البرتغال الفريق الوحيد في البطولة الذي استطاع تحمل اللعب 120 دقيقة في ثلاث مباريات أمام مدارس كروية مختلفة، ولأول مرة رأينا لاعبين بهشاشة لويس ناني وريكاردو كواريشما دون إصابات وبلياقة بدنية ثابتة على مدار جميع المباريات.

ناني كان يلقب بالزجاجي في مانشستر يونايتد، أما كواريشما فمسيرته دُمرت تدميرًا مع الفرق الكبرى بسبب الإصابات المتكررة ولصعوبة مواصلته بنفس الأداء لمدة 90 دقيقة كاملة.

بداية الاختبارات البدنية الحقيقية للبرتغال كانت أمام عملاق دول البلقان «كرواتيا» ذلك المنتخب القوي بدنيًا يضم بين صفوفه نخبة من أميز اللاعبين متنوعي الاستخدامات في أوروبا. هزموا إسبانيا في دور المجموعات وعذبوا تركيا ولولا شغب الجمهور لتمكنوا من هزيمة التشيك بنتيجة تاريخية بدلاً من التعادل 2/2، لكن البرتغال نجحت في تسيير ثمن النهائي بطريقتها الخاصة حتى سنحت الفرصة لشن غزوة مرتدة قادها ريناتو سانشيز لتنتهي بتسديدة لرونالدو سقطت من الحارس لتجد ريكاردو كواريشما الذي فض الاشتباك بمتابعة ممتازة.

فرناندو سانتوس اعتمد أسلوب «الدولفن القرش» في مبارياته بالأدوار الإقصائية بما في ذلك المباراة النهائية أمام فرنسا، فنفس الأسلوب الذي اتبعه أمام كرواتيا طبقه أمام بولندا، كان فريقه يعوم بسرعة قياسية بعيدًا عن المتفرجين بخبث سمكة القرش المتخفية في شخصية الدولفن المُسالم، انتظارًا للحظة انهاك الخصم وارهاقه من محاولة اللحاق به للعب معه للانقضاض عليه وإلتهامه بضربة واحدة.

المدرسة البرتغالية أثبتت مدى تميزها في مسألة الإعداد البدني، ونحن في مصر نعي جيدًا فضل هذا الشق في احتكار منتخب مصر لأمم أفريقيا ثلاث مرات بناء على احتكار الأهلي للقب دوري أبطال أفريقيا خمس مرات بفضل ما زرعه المدرب البرتغالي «مانويل جوزيه» مع المعد البدني «كاجودا» خلال فترة تواجدهما معًا في الجزيرة.

الأسلوب الذي اتبعته البرتغال هذا الصيف لم يعتمد على الكرة المباشرة والشاملة التي اعتدنا عليها، ربما في مباراتي المجر وويلز فقط، ففعلاً البرتغال لم تمتع، لكنها بكل صدق كانت تُقنع بقوتها البدنية وانضباطها وذكاء لاعبيها في توزيع جهدهم على جميع دقائق المباراة.

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.