.
.
.
.

عن «البكينى» والحجاب فى الأوليمبياد

خالد أبوبكر

نشر في: آخر تحديث:

لا شىء ينافس أحاديث الذهب والفضة والبرونز وكل المعانى السامية التى تحمل قيم الروح الرياضية فى «أوليمبياد ريودى جانيرو» سوى حديث البكينى والحجاب، بعد أن لفت منتخب مصر للسيدات للكرة الطائرة الشاطئية الأنظار بارتدائهن «مايوهًا شرعيًا» عند مواجهة الفريق الألمانى بدلًا من «البكينى»، الذى يعتبر الزى التقليدى للعبة.

اللافت للنظر أن اللاعبتين المصريتين دعاء الغباشى وندى معوض حظيتا بتعاطف ودعم كبيرين من قبل الجمهور البرازيلى، الذى نظر للأمر من زاوية أنه «تلاحم بين الثقافات المختلفة، وأن ذلك أفضل ما يميز دورة الألعاب الأوليمبية، التى تستضيفها بلادهم»، بحسب تقرير لرويترز. زادت جرعة الدعم لدعاء وندى مع ارتفاع الأصوات المنتقدة لزيهما، وتجلى ذلك فى ظهور لاعبات الفريق الهولندى، خلال مباراته أمام نظيره الأسترالى وهن يرتدين البدل الكاملة كالتى ارتدتها اللاعبتان المصريتان تضامنًا معهن، «نظرًا للعنصرية التى تعرضن لها» بحسب ما نقل عن هذا الفريق.

كان هذا هو تعامل العالم مع ظهور لاعبتانا بزى محتشم نسبيًا يعبر عن النسق القيمى الذى تربَّتا عليه، والذى يقتنعان به، بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك معه. المشكلة كانت فى ردود أفعال المصريين على مواقع التواصل الاجتماعى حيال ملابس الفريق المصرى، فبينما وجه البعض انتقادات حادة لدعاء وندى لأنهما لم يلعبا المباراة بـ«البكينى»، وكيف أنهما «فضحونا» أمام العالم، اعتبر فريق آخر ممن يقدمون أنفسهم بوصف «الملتزمين» أن الفتاتين «تمسحتا» فى الزى الشرعى، «لأن ما ارتدتاه هو والبكينى سواء»!.

التعامل الإيجابى للفريق الهولندى والجمهور البرازيلى والعديد من الأصوات فى العالم مع حق لاعباتنا فى ارتداء ما يرين أنه مناسب لهن وما يعتنقنه من أفكار وقيم، هو فى جوهره فهم لفلسفة الألعاب الأوليمبية، التى توحد الإنسانية، وتتجاوز جميع العوامل التى تفرق بين البشر من أيديولوجيات ومعتقدات وأديان ومذاهب سياسية.

ولأولئك الذين اعتبروا عدم ارتداء لاعباتنا «المايوه البكينى» «فضيحة لمصر» وأمارة من أمارات تخلفها، نقول لهم ــ بغض النظر عن هذه النظرة العنصرية التى تقصى الآخر ــ يبدو أنكم لم تسمعوا قط عن استغلال الملابس المثيرة للرياضيات فى الترويج للألعاب الرياضية النسائية طمعًا فى رفع نسب المشاهدة. تمهلوا.. فليس هذا رأيى الشخصى، لكنه موقف موثق لـ«رابطة الحقوق الدولية للنساء»، ومقرها فرنسا، فى ارتداء الرياضيات للملابس المثيرة، ذلك أنها نددت عام 2012 بما وصفته بـ«التمييز فى الرياضة»، وقالت إن هناك «استخدامًا لأجساد النساء بشكل جنسى فى ممارسة الرياضة، وإن الأمر كله يتعلق بالمال»، بحسب تقرير لموقع «سى. إن. إن بالعربية».

المثير فى الأمر أن الاتحاد الدولى للكرة الطائرة كان قد حدد عام 1999 قياسات ملابس الكرة الشاطئية للسيدات، بأنها لا تتعدى إنشين ونصف عند جانبى البكينى (الإنش أو البوصة يساوى 2.52 سم) بطول مقداره 7 سنتيمترات، مما خلق اتهامات كبيرة للاتحاد بأنه يركز على أجساد اللاعبات أكثر مما يركز على اللعب فى حد ذاته.

فى عام 2012، وبسبب أحوال الطقس الباردة خلال أوليمبياد لندن، أصدر الاتحاد قرارًا بإمكانية ارتداء أزياء أكثر طولًا، دون أن يمنع ارتداء البكينى، وزيادة على الجو البارد، برر الاتحاد القرار الجديد بوجود متطلبات دينية وثقافية فى بعض الدول تتطلب مرونة فى لباس اللعب، لكن هذا القرار أثار مخاوف من تراجع نسب المشاهدات التليفزيونية لهذه اللعبة، وهو ما قد ينعكس على حجم متابعتها.

الاستعراض السابق يؤكد أن شبهة الإتجار بأجساد النساء واستغلالها فى الترويج للألعاب وما له علاقة برفع نسب المشاهدة وضمان الحصول على نصيب من كعكة الإعلانات حية وحاضرة؛ وتاليًا فإن الأمر ليست له علاقة لا بقيم الحرية والتقدم ولا بالرجعية والتخلف، بل إن ما له علاقة بالتخلف والرجعية هو تلك المشاعر الإقصائية التى تسيطر على الكثير منا من أقصى اليمين لأقصى اليسار.

خلاصة القول: من حق بناتنا المحجبات أن يمارسن الرياضة التى يخترنها، وبالزى الذى ترتاح إليه نفوسهن ومعتقداتهن وتربيتهن.

*نقلاً عن الشروق المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.