فشلت يا ميسي وأضعت فرصة الأرجنتين!

محمود ماهر
محمود ماهر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

في عالم كرة القدم، كلمة واحدة تكفيك لتذكر حادثة، أو ذكرى مهما كانت قديمة، ربما تدفعك «الكلمة» نحو تحليل بطولة كاملة وسط دهشة مَن هم حولك ممَن لا يتمتعون بنفس شغفك وعشقك للكرة التي «مرمرت» عقول البشر منذ أن بدأ الجنود الإنجليز ركلها قبل 160 عامًا في أوقات فراغهم.

عندما يُبرر أحدهم التكتيك المُمل لفريقه المفضل، يستخدم كلمة واحدة «الكرة أجوان»، ووقتها عليك أن تتذكر الاعتراف الضمني للمعلق المصري التاريخي «الكابتن لطيف» بأحقية تأهل تونس إلى مونديال 1978 على حساب مصر، وهذا المصطلح صدمني به المدرب التونسي «أحمد العجلاني»، حين سألته عن مدى أحقيته في التتويج بكأس العرش المغربي 2015 مع خريبكة، فقد قاطع أسلوبي التهكمي أمام الصحفيين قائلاً «هو الكابتن لطيف قال إيه مني يجي 40 سنة كدا يا أستاذ؟».

الكرة أجوان، عبارة تلخص الكثير من الشروحات بعد كل مباراة كان فيها فريق ما أفضل من الآخر ولم يفز بسبب عجزه عن ترجمة الفرص لأهداف، مثلما يحدث في مباريات إيطاليا دائمًا وبالعكس في مباريات الفريق الممتع «هولندا»، وآخرها وليس آخرها مباراة نهائي يورو 2016.

كلمة «غدارة غدارة» التي رددها المعلق حين سجل إنييستا هدف برشلونة القاتل أمام تشيلسي في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2009، حتى لو سمعت وردة ذات نفسها تغنيها، ستتذكر الهدف المؤلم بكل بساطة، وربما تهتف بالعبارة نفسها حين ترى حالة مُشابهة بعد سنوات طويلة، وإذا سألك ابنك أو حفيدك، ستروي قصة الكلمة وقصة هدف إنييستا وربما أهداف أخرى مثل هدف سولشاير.

وهذا الأسبوع أردت استعادة عبارة رافقتنا منذ اعتزال زين الدين زيدان عام 2006 “فرنسا لا تساوي شيء من دونك يا زيزو”، لاستخدامها لفتح ملف الاعتزال الدولي المفاجيء لليونيل ميسي والذي لم يُستغل من قبل اللاعب أو المدير الفني للمنتخب الأرجنتيني على أكمل وجه، لتضيع فرصة ذهبية كانت في متناول اليد لخلق حالة غير عادية في الأرجنتين.

الموضوع شغل الرأي العام منذ نهاية يونيه حتى بداية أغسطس بعناوين مثيرة وتحليلات مختلفة، وأرى أن الاهتمام كان مُبالغًا فيه مع الاحترام لنجومية وقيمة ميسي الفنية، لكن الواقع يقول أن ميسي لم يعتزل كي يعود من الأساس، والأرجنتين نفسها لم تختبر من دونه بعد انسحابه ولو لمباراة واحدة.

ميسي لم يترك حتى بلاده تُعاني ليعرف الجميع قيمته مثلما فعل زين الدين زيدان عامي 2004 و2005 حين اعتزل دوليًا لتلبية نداء الجسد الذي لم يعد يقوى سوى على تلبية طموحات عشاق ريال مدريد.

في شهر أغسطس 2004، قال المدير الفني لفرنسا رامون دومينيك: «زيدان لن يلعب معنا مُجددًا. وأنا أشعر بالأسف، لأنني كنت أرغب في استمراره. زيزو يرى أنه يتعين عليه ترك مكانه للاعبين الأصغر منه سنًا». وبالفعل وقتها بدأت تبرز أسماء مثل بلال ريبيري وجوركوف لودوفيك جولي وسيسيه.

لكن دومينيك فشل في خلق مايسترو وقائد جديد للأوركسترا بعد انسحاب زيدان وأخفق في خلق توليفة جماعية، وهذا لأن فرنسا تجد صعوبة حقيقية وفعلية في اللعب دون «معلم» على العكس من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا ومنتخبات أفريقيا التي تعتمد على الجماعية أكثر من اللاعب الكاريزما، وانظروا للهوة التي عاشتها فرنسا من بعد اعتزال ميشيل بلاتيني عام 1986 حتى استعادة هيبتها القديمة في مونديال أقيم على أرضها.

فرنسا في بداية التصفيات المؤهلة لمونديال 2006، تعادلت ذهابًا وإيابًا مع الكيان الصهيوني وجمهورية آيرلندا وسويسرا، وانتصرت بصعوبة بالغة على جزر الفارو وقبرص، وبدا واضحًا بعد تصدر سويسرا بـ12 نقطة واحتلال الكيان الصهيوني للمركز الثاني بـ 11 نقطة وتفوق جمهورية آيرلندا بفارق الأهداف في المركز الثالث على فرنسا التي تراجعت للمركز الرابع، بإن دومينيك يحتاج لمايسترو صاحب كاريزما.

ضغط الصحف واللاعبين ودومينيك أثمر عن عودة زيدان الذي عَرف العالم تأثيره وأهميته الحقيقية بالنسبة لفرنسا، بعدما أُنتقد انتقادات لاذعة في ليكيب وفرانس فوتبول على الدقائق القليلة التي لعبها في مونديال 2002 وعلى مستواه البدني المتراجع أثناء يورو 2004، وذلك بالتزامن مع الانتقادات الإسبانية التي تلقاها بسبب خيباته المتكررة مع ريال مدريد في أبطال أوروبا أعوام 2003 و2004 و2005.

ولعب زيدان الجولات الاربع الأخيرة من التصفيات، بدءًا من مباراة جزر الفارو يوم الثالث من سبتمبر 2005، وكان لا بد وحتمًا أن تفوز فرنسا في الجولة التالية أمام جمهورية آيرلندا، وهذا ما حدث بهدف يتيم جاء بعد سلسلة من التمريرات الرائعة بين الأقدام بفضل زيدان إلى أن وصلت لهنري الخارق ليُسكت دابلن بتسديدته المقوسة، وفي المباراة التالية تعادلت فرنسا مع سويسرا 1/1 في بيرن، ووقتها كانت سويسرا في أفضل حالاتها، وكلل زيزو مجهوداته في ختام التصفيات بهدف أمام قبرص من رباعية نظيفة، لتتصدر فرنسا بفضل زيدان وخدمات الغير.

لميسي عاش ما هو أسوأ من زيدان، هذه ليست دعوة للمقارنة بين حقبتين مختلفتين، لكن نفس الانتقادات رأيتها وسمعتها، ونفس الحالة النفسية السيئة التي مر بها زيدان مر بها ميسي، ويمكن أسوأ بكثير مما عاشه زيدان، فخسارة ثلاث نهائيات من بينهم نهائي كأس عالم على أرض الأعداء «البرازيل» شيء مُدمر معنويًا، وأفضل علاج لمثل هذه الصدمة النفسية كان الإبتعاد لبعض الوقت، وفي نفس اللحظة منح المدرب الجديد القدرة على بناء فريق أقوى من النواحي الجماعية والتكتيكية والخططية بدلاً من بناء الخطة عليه كما فعل مارادونا وبيكرمان وتاتا مارتينو.

ابتعاد ميسي عن الساحة الدولية كان متوقعًا بعد صدمة تشيلي في أميركا، ولأنه من بين اللاعبين المفضلين بالنسبة لي جنبًا إلى جنب رونالدو وجريزمان، فقد سعدت كثيرًا بهذا القرار، وأيدته، لثقتي بأن عودته بعد عامين في مونديال روسيا ستكون أعنف مع مجموعة من اللاعبين الواثقين الأقوياء، ووقتها قد يفعل ميسي نفس ما فعله كريستيانو رونالدو الذي استطاع فريقه التعامل بعد خروجه من نهائي يورو 2016 والفوز على أصحاب الضيافة، لأنه اعتاد على اللعب من دون رونالدو في مباريات عدة خلال التصفيات والوديات قبل خوض البطولة.

لكن ميسي فعل بعدها ما لم أتوقعه أبدًا، عاد بسرعة جنونية من الاعتزال، وهو قرار ينم عن ضعف شخصية بصرف النظر عن أي شيء سأحدثكم عنه فيما بعد.

ما فعله لم يسمح لباوزا اختبار نفسه فنيًا وتكتيكيًا في عملية اكتشاف البديل وتطبيق طرق لعب مختلفة من أجل زرع مرونة ألمانيا أو تنوع إسبانيا أو شراسة إيطاليا، وذلك بإجبار اللاعبين على الاعتماد على أنفسهم في مباريات تصفيات مونديال 2018، كما فعل تاتا مارتينو من قبل في مباراة افتتاح كوبا أميركا الماضية حين هزموا تشيلي بأقل مجهود بثنائية وقت غياب ميسي للإصابة.

قبل شهرين سألت أحد عشاق المنتخب الأرجنتيني. كيف حال فريقك بعد الخسارة الثانية على التوالي من تشيلي في نهائي كوبا أميركا؟. فقال: سنواجه صعوبات كبيرة من أجل التأهل إلى مونديال روسيا 2018 فمن دون ليونيل ميسي، سنعاني لا محالة.

إجابة غريبة وكاذبة، كأنه كان يتحدث عن مصر بعد أبو تريكة أو فرنسا بعد زيدان 2006 أو الأرجنتين نفسها في مرحلة ما بعد مارادونا 1994-2002. طالبته بأن ينظر جيدًا إلى استقرار حالة حراسة المرمى، فأمثال بونانو اندثروا. طالبته أن يحلل مستوى شراسة خط الدفاع في وجود أكثر من بديل مميز. طالبته بتفنيد مميزات خط الوسط، وعنفوان الهجوم وتنوعه.

كل عوامل نجاح المدرب الجديد «إدجاردو باوزا» في خلق توليفة جماعية قادرة على التعامل مع متغيرات أي مباراة، متوفرة لدى الأرجنتين بل وتهتف لثورة غير عادية كان سيشهدها العالم في مونديال روسيا بعد سنتين من الآن، هذا ما كان سيحدث، لو أن الأرجنتين لم تواصل الاعتماد على ميسي، هذه كانت فرصة باوزا لبناء فريق صلد لا يعتمد على لاعب واحد بعينه كالذي شاهدناه يلعب أمام تشيلي في افتتاح كوبا أميركا السابقة.

ميسي فشل في الحصول على لقب «سوبر مان» فلم يغب عن لائحة الأرجنتين في أي مباراة بعد قرار الاعتزال، فكان قراره «لعب عيال» أضاع به فرصة إظهار قيمته الحقيقية بالنسبة للشعب الأرجنتيني والعالم كلاعب دولي، وأدخل بمساعدة باوزا شعور سينعكس بالسلب على لاعبي الأرجنتين في قادم المواعيد، بأنهم فريق الوان مان شو وليس فريق مكون من 11 لاعبًا ومثلهم على الدكة. أستطيع قولها: فرصة الفوز بالمونديال ضاعت على الأرجنتين، بهذا هذه النقطة المفصلية في حياة الفريق الذي أراه متكاملاً ولا يحتاج لكل هذا الاعتماد المبالغ فيه على لاعب واحد بعينه حتى لو كان ميسي.

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.