هنا سلطنة الأخضر

فواز الشريف
فواز الشريف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في ليلة لا ككل الليالي وأمسية لا ككل الأمسيات على ملعب الجوهرة المشعة "مقبرة" المنتخبات الآسيوية.. "هنا حفرنا وهنا دفنا" شهدنا ليلة من الزمن الجميل.

كان شمال عروس البحر الأحمر يستعد لأمسيات مماثلة يسكن عشقها "العروس" حيث تأتي " أبحر" أحد أجمل سواحل العشق وشطآن الهوى ومتنفس الناس لتعيد سطوتها على الغرام الأخضر.

بالفعل كانت ليلة خضراء هبت نسمتها الشمالية برائحة "ثول" ودموع "مريم" وقهقهات "هاشم الجحدلي" حين قال:

"يا عيون مريم ما بقي شيء في الكون
عندي يساوي دمعتك يوم تبكين
يا عيونها يا مسافرة في دفى اللون
جيتك أبغرق في غموض التلاوين"

كلمات جميلة رقيقة عذبة استقبلتها "ذهبان" و"خليص" و"حسن شاكر" و "عسفان" بملهماتهم من " الكسرات":

"لا تحسب البعد في ظنك
يخلف هوانا عن الترتيب
غائب عن العين لكنك
في القلب دائم معي ما تغيب"

ثم تمتزج الثقافات والأناشيد بساحل البحر فتتغير المشاهد إلى الأعلى مع "الخبيتي" و"الرديح" و "البدواني" ومعها تنتفض "حارات" جدة على صوت "النقرزان" ويصطف "الزومال" في حنجرة "المزمار" الشجية تردد:

"يا الله على بابك يا كريم.. لا خاب طلابك يا كريم".

ومع كل ذلك تبقى الأرضية الدائمة لصناعة البهجة بعض من دندنات "الينبعاوي" بصوت الوجيه وأبناء "الرويس" ليستقر في تفاصيل "المرجلة" حتى تتسلطن المدرجات على أعذب الألحان، وإن كان لحن المنتخب هو الأجمل على الإطلاق.

إن كرة القدم اللغة والثقافة والآداب والعلوم الإنسانية هي لعبة أكثر منها رياضة وثقافة أكثر منها لعبة هي "فلسفة" الشعوب وقيل إنها لعبة شعبية تبدأ برقصة لاعب ماهر وتنتهي بملحمة تخلد تفاصيلها في الذاكرة الندية وقد كان البعض يعتقد أنها معجزة.

وحين يأتي الحديث عن المنتخب السعودي الذي فرض إرادته أمام منتخب يعيش عصره الذهبي مثل المنتخب الأسترالي المدجج بعباقرة اللعبة فإنه حديث يستلهم تلك المشاهد التي اختزلتها ذواكرنا الحبلى بالمعجزات والمنجزات منذ بداية الثمانينيات الميلادية على مستوى القارة الآسيوية والتسعينيات الميلادية على مستوى الوصول إلى المونديال.

الجمهور السعودي "المخضرم" يدرك بالفعل قيمة الكرة السعودية وتأثيرها وأهميتها على الأقل بالنسبة له حين يكون منتخبه حاضرا قويا جميلا يملك أدوات اللعبة ويدرك أيضا أن الكثيرين ممن هم حوله لا يتمنون مثل هذه الثقة وهذا الانتصار لأنهم يخلطون السياسة بالرياضة ويمارسون أبشع أنواع العنصرية والانتقاص من شأن الأقوياء.

إن الأرقام التي يتسابق لتدوينها البعض لا تمثل التاريخ الحقيقي لكرة القدم ولا حياة وروح هذه اللعبة ولا فتافيتها التي كنت أعنيها طبعا فتافيتها التي تعمدت سردها هنا حين شاهدت جمهور كرة القدم السعودية وقوافل الفرح وهدير الأناشيد تتجه الى "أبحر" شمال العروس "جدة" مواقع أمسياتهم العذبة وجمعاتهم المبهجة يرددون أجمل الأغنيات عن الأخضر الشجاع ونجومه الأبطال نحو بناء علاقة تجاوزت الأرقام والألوان والأندية واتجهت إلى روح الفرح المنتظر وهو ذاته الفرح الذي حمل "خليل الزياني" ذات يوم ليركض دون أن يعرف وجهته أو الفرح الذي كنت أعنيه وكنت أتمنى من أبناء الجيل تذوقه كما تذوقناه في الدوحة لليلة من ليالي شهر أكتوبر قبل ثلاثة وعشرين عاما من الآن.

*خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.