ديموقراطية في الرياض
تابع السعوديون بمختلف أطيافهم خلال الأيام الأخيرة انتخابات اتحاد كرة القدم، واستأثرت هذه الممارسة الديموقراطية "غير المألوفة" بحديث المجالس في المجتمع بدءا من الحملات الانتخابية ومروراً بالطعون المقدمة وانتهاء بصناديق الاقتراع لاعتبار أنها تجربة جديدة تختلف تماماً عن انتخابات الغرف التجارية والانتخابات البلدية المفتوحة.
انتخابات اتحاد كرة القدم كانت الأقرب إلى الممارسة الديموقراطية الصحيحة، خاصة أنها تقام تحت مظلة دولية تتمثل بأنظمة وقوانين الـ"فيفا" التي لا يمكن تجاوزها أو مخالفتها مهما حاولت الجهات الرسمية الالتفاف عليها لتنفيذ رغبتها في فوز مرشح على حساب منافسه.. هذا ما حدث تقريباً في انتخابات الاتحاد السعودي حتى لو احتج البعض على فوز المرشح عادل عزت بداعي رغبة الهيئة العامة للرياضة في وصوله إلى المنصب.
فوز عادل عزت جاء مكافأة على نجاح حملته في إدارة الانتخابات أمام مرشحين ارتكبوا من الأخطاء ما أضعف حظوظهم ومنح حملته فرصة لكسب المنصب مستفيداً من جهل المرشحين بدهاليز الانتخابات، وهذا أمر متوقع لأن ثقافة صناديق الاقتراع شبه معدومة في المجتمع وتحتاج إلى مهارات سياسية لا تتوفر غالباً لدى المرشح ولا الناخب من أجل تحقيق مصالحهما المرجوة من هذه العملية.
مازلنا نذكر وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل عندما أثار حفيظة مواطنيه يوماً، حين سأله مراسل صحيفة غربية عن مدى استعداد الرياض للديموقراطية، وإجابة الأمير أن الحكومة جاهزة لهذا التحول، ولكن الشعب غير جاهز للديموقراطية، ولم يدر بخلد أحدهم أن الوزير ربما كان على حق، وراح كثيرون ينعتون تصريحاته بتكريس سلطة الحكومة ورفضها للمشاركة الشعبية. وخلال العام 2005 شهدت السعودية انتخابات بلدية في محاولة من الحكومة لجس النبض وتحليل التجربة قبل التوسع بتطبيقها، وجاءت غالبية النتائج وفقاً للتوقعات الحكومية، حيث فشل أصحاب التوجه الإصلاحي في نيل الثقة، مقابل اكتساح لأصحاب الخطاب الديني بعيداً عن حسابات الأداء، لاعتبارات ربما تتعلق بثقافة المجتمع ونظرته الإيجابية إلى رجال الدين دون النظر إلى قدراتهم العملية.
ومع أن السنوات الأخيرة شهدت مبادرات حكومية من أجل الإصلاح، ما أدى إلى كشف قضاة ورجال دين استغلوا تعاطف الناس لتمرير الفساد المالي والإداري، إلا أن هذا لم يكن كافياً لتوعية الناس بأهمية البحث عن المصلحة العامة من خلال صناديق الاقتراع، إذ تحولت الانتخابات البلدية الأخيرة من التصويت لرجال الدين إلى التصويت للمرشحين بحسب الانتماء الإقليمي والقبلي!، وهذا يعني صحة رأي وزير الخارجية حتى الآن، خاصة ان تجربة الانتخابات بدأت في السعودية منذ الثلاثينات وتم إيقافها بقرار حكومي بسبب لعب المرشحين على وتر الانتماءات العرقية والمذهبية والمناطقية لكسب الأصوات، وفي هذا نسف لمبادئ الوحدة الوطنية التي يجب أن يصونها الخطاب الانتخابي ويعمل على ترسيخها في دولة حديثة التكوين حينها.
في انتخابات اتحاد كرة القدم الأخيرة فازت حملة عادل عزت لأنها أقل الحملات في ارتكاب الأخطاء، بينما لم تدرك حملة سلمان المالك مجرد الفرق بين الانتخابات النيابية المفتوحة، كتلك المؤهلة إلى عضوية مجلس الأمة الكويتي، وانتخابات الجمعيات العمومية "المغلقة" كالمؤهلة إلى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم.. ما جعل المالك يقدم تذاكر السفر والغرف الفندقية وأجهزة الآيباد إلى جميع من حضر مؤتمر الحملة دون التفريق بين الإعلاميين وأعضاء الجمعية العمومية، وهو الخطأ الذي كان كافياً لضرب حملته في مقتل!.
من الجيد أن يتابع ملايين الشبان هذه الممارسة الديموقراطية وأن يدرك هؤلاء قواعد اللعبة الانتخابية تمهيداً لنشر الوعي بأهمية هذه العملية في بلاد تسعى إلى تحقيق أقصى استفادة من المشاركة الشعبية في تحسين أداء المجالس البلدية أو حتى النيابية مستقبلاً، لاعتبار أن الثقافة الانتخابية مطلب لإدراك أهمية الصوت ومعرفة المرشح الأجدر لنيله، بناء على الكفاءة وبعيداً عن العاطفة والانتماء الفكري أو الاجتماعي.. ومن حسن الحظ أن هذه التجربة الديموقراطية تمت في الوسط الرياضي بما يمتلكه من قاعدة شعبية عريضة واهتمام إعلامي كبير، لذلك حظيت بمتابعة لافتة تفوق ما تناله عادة انتخابات الغرف التجارية أو حتى المجالس البلدية، وهي بمثابة خدمة مهمة قدمها قطاع الرياضة والشباب للمجتمع بصفة عامة.
*خاص بالعربية.نت - رياضة