.
.
.
.

نسقط الأفيال لتكبر الآمال

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

كما أنه لم تكن هناك من حاجة لكي تخرج السيوف من أغمادها لتقطع لحم أسود الأطلس بعد خسارتهم من الكونغو الديموقراطية في مباراة وقفنا على حقائقها الفنية الصادمة، والتي تقول أن الفريق الوطني فعل بالفهود كل شيء إلا أن يركعهم وقد تفنن في إضاعة الفرص السانحة للتسجيل، فلا حاجة إطلاقا لكي نبالغ في التباهي والتفاخر بالفوز الذي تحقق بثلاثية أمام صقور الطوغو وبه انبعثت الآمال من الرماد.
لم يكن هناك بالقطع ما يسمح بكثرة اللغط والجدل ولا بالوقوف على أطلال مباراة الكونغو متباكين ومتحسرين ولا ناقمين من الحظ، وما كان هناك شيء يجيز بأن يشرع البعض في محاكمة الإختيارات وفي جلد المدرب هيرفي رونار، فلم تكن الخسارة أمام فهود الكونغو برغم أنها من النوع الذي يصعب هضمه، تبيح بيع جلد الأسود بهكذا طريقة وبأبخس الأثمان، من أهله، ممن يجب أن ينصروه ويعزروه فائزا أو مهزوما، وما ينتظرنا في مباراة الغد أمام فيلة الكوت ديفوار يلزمنا بكثير من الحكمة والتواضع في التعاطي مع الفوز على الطوغو، فلا نجرد هذا الفوز من حسناته الكثيرة ولا نبخسه حقه وننسبه للصدف وللحظ وأحيانا لضعف صقور الطوغو، وأيضا لا نرفعه إلى مقام يصيب بالغرور الذي لا قبل لنا به اليوم.
لا أنكر أنني صدمت للمآل الحزين الذي إنتهت إليه مباراة الأسود أمام الكونغو الديموقراطية، وأنا من يدرك جيدا قيمة كل نقطة نهدرها في سباق «الكان» المجنون، ولا أنكر تلقاء ذلك، أن الفريق الوطني قدم إشارات قوية عرفت بممكناته التكتيكية والنفسية لقهر الإحباط وللإنطلاق بشكل قوي خلال مباراة الطوغو، الخصم الذي كنت أوشك أن أقول أنه الحلقة الأضعف نسبيا في مجموعتنا، لولا أنه نجح في ترويض الفيلة في أولى مبارياته، لذلك يمثل الفوز على الطوغو تصحيحا لوضع وتقويما لاعوجاج حدث.
وما كان لهذا الوضع أن يتصحح ويستقيم، لو لم يذهب هيرفي رونار بحاسته الفنية وبما تراكم في مفكرته وما خبره من الأدغال، إلى تصحيح ما ظهر على أسلوب اللعب من إختلالات، أقواها على الإطلاق أن فريقنا الوطني ينتج بغزارة فرص التهديف ولكنه لا يغنم منها شيئا، وفي كرة القدم لا يصبح للإستحواذ على الكرة ولا للأفضلية الفنية ولإبداع الكثير من الفرص السانحة للتسجيل معنى إذا لم يقترن ذلك بالفعالية وبالنجاعة أمام المرمى، لذلك كله، لم يغامر رونار كما ظن الكثيرون بقلب الشاكلة والتشكيلة، لقد أبقى على شاكلة 3ـ5ـ2 لقناعته الكاملة بأن المخرج الوحيد من دوامة الغيابات المؤثرة التي مست لاعبي الأطراف فاقتصت الأجنحة، وما فعله أنه أضاف ما يلزم من بهارات لتستوي الطبخة، لقد كان فيصل فجر بالفعل هو المتغير البشري الذي سيقلب الأمور رأسا على عقب، بدليل ما فعله خلال المباراة كلاعب وسط يمزج بين الإرتداد وصناعة الأهداف.
أبدا لا ندعي أن الفريق الوطني قدم المباراة المثالية التي تجمع بين جمالية الأداء وبين إيجابية النتيجة، فمع العودة بأعصاب هادئة لمضمون المباراة أمام الطوغو نلمس بالفعل وجود شوائب تكتيكية يجب الإنتباه إليها ونحن نقبل على مباراة حاسمة ومصيرية أمام كوت ديفوار يوم غد الثلاثاء، الرهان الأكبر فيها هو كسب النقطة الواحدة على الأقل التي تفتح أبواب ربع النهاية على مصراعيها.
من هذه الشوائب الصعوبة التي يجدها الفريق الوطني في بناء العمق الدفاعي بخاصة عندما يضطر للعب متأخرا تحت ضغط الخصم، ويبدو الأمر منطقيا بالنظر إلى أن الفريق الوطني لعب لسنوات كثيرة بنظام لعب غير الذي واجه به الكونغو الديموقراطية والطوغو، ومنها أيضا أن رونار يجد كل ضالته في الشاب حمزة منديل لشغل الرواق الأيسر، برغم ما يصاحب أداء الفتى اليافع من إختلال هو من طبيعة التنافسية الناقصة ومن طبيعة عدم التكيف بشكل كبير مع مباريات المستوى العالي.
وإذا كان منطقيا جدا أن يثبت هيرفي رونار وهو يواجه فيلة كوت ديفوار على شاكلته ولا يغير كثيرا في تشكيله البشري إلا ما قد يأتي في صورة إكراه، فإن مفتاح كسب الرهان بتحقيق الفوز أو التعادل في هذه المباراة، وهما معا يضمنان لنا التأهل كما هو موضح في هذه الصفحة، هو أن نصل بمنظومة اللعب إلى أعلى مستويات التناغم فلا نترك هامشا للأخطاء المكلفة دفاعيا وهجوميا، ليس هذا فقط بل نكون في غاية التركيز لضبط كل تفاصيل المباراة والسيطرة على جزئياتها.
فعندما يعرف أسود الأطلس أن النقطة الواحدة في مباراة كوت ديفور تكفيهم لينالوا إحدى بطاقتي الصعود للدور ربع النهائي، فإن ذلك لا بد وأن يقترن بالرغبة الجامحة في طلب ما هو أكبر من هذه النقطة، لطالما أن الفوز على كوت ديفوار ليس في عداد المستحيلات، ولطالما أن مباراة الثلاثاء بأوييم ستختلف كليا عن مباراة مراكش التي لعبناها في إطار تصفيات كأس العالم شهر نونبر الماضي وخرجنا منها بنقطة.
قد يبدو للبعض أن الفريق الوطني محظوظ باللعب على معادلتي الفوز والتعادل، فيما سيكره الإيفواريون على الفوز ولا شيء غيره ليأملوا مواصلة المغامرة دفاعا عن اللقب الإفريقي الذي يوجد في حوزتهم، إلا أن التمتع بالأفضليتين يمكن أن يورث حالة من التواكل تكون نتائجها وخيمة.
نسأل الله التوفيق لأسودنا ونسأل لهم السداد ورباطة الجأش، لأن المباراة أشبه ما تكون بقطعة من جحيم، وأنا موقن من أن هذا الفريق لو تخطى عتبة الدور الأول سيصبح بالفعل رقما صعبا في معادلة التنافس على اللقب، لأن الأسود عندها سيزيلون من على أكتافهم ضغطا رهيبا تنوء به الجبال.

*نقلاً عن المنتخب المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.