.
.
.
.

بند "الدهنيات"!

طلال الحمود

نشر في: آخر تحديث:

في شتاء العام 1990، اجتمع الراحل الشيخ فهد الأحمد إلى الإعلامي فيصل القناعي؛ بهدف اختيار شعار لدورة الخليج العاشرة في الكويت، وما بين أخذ ورد، اقترح القناعي الخروج من قالب التقليدية في تصميم شعار البطولة، وإضافة تعويذة للدورة، واقترح الشيخ الاستعانة بـ"الجمل" الذي اختارته الكويت شعارًا لمشاركتها في كأس العالم 1982، قبل أن يعارضه القناعي ويقترح استبدال هذا الجمل الذي تحول مع مرور الوقت إلى "هرش"، بحصان أو فرس، ثم تطورت جلسة العصف الذهني بينهما إلى اختيار الحصان ومعه الفرس كتعويذة للدورة، قبل أن يطلب الشيخ من القناعي تسمية الأول "عبيان" والثانية "شويمة"، من مبدأ الشفافية وعدم استغفال الجماهير الخليجية، وبعد إقرار التعويذة رأى الشيخ أن التلميح لا يليق بالبطولة ولا الوفود المشاركة؛ ما جعله يضيف تاريخ معركة قديمة يختلف المؤرخون بشأنها على الشعار الرسمي للبطولة!.

الفكرة بدأت من إعلامي وتبناها مسؤول، وانتهت بأزمة كبيرة، كان من أقل تداعياتها انسحاب السعودية من بطولة الخليج، علمًا أن تعليمات صدرت للإعلام السعودي حينها بتغطية البطولة، ومنع الصحف من الرد على هذا التصرف، قبل أن يشعر الشيخ فهد الأحمد بفداحة الخطأ، ويقرر السفر في مايو 1990 إلى جدة لمقابلة الأمير فيصل بن فهد، وبالفعل ساهم اعتذار الشيخ بتصفية النفوس، ثم قابل الملك فهد أيضًا واعتذر عن هذا التصرف.

كان هذا قبل وفاة الشيخ برصاص الجيش العراقي في الثاني من أغسطس 1990، وهو اليوم الذي ضحك وبكى فيه الكويتيون تحديدًا على ضحالة طرح الإعلام الرياضي، قياسًا على حجم التهديد الذي تواجهه دول الخليج بعد زوال الكويت من خارطة العالم!.

تعلم أهل الخليج من تلك الأحداث "الرهيبة" دورسًا لا تنسى، وهدأت النفوس لسنوات طويلة، غير أن من طبع البشر "النسيان"، بعدما بدأت بعض الصحف والقنوات تستعيد انفلات خالد الحربان في "السبعينيات"، وتفتح استديوهاتها للانتقاص من هذا والثناء على ذاك، بل إن ضيوفها يتخذون مواقف معلنة ضد بعض بلدان الخليج دون سبب واضح، ومن هؤلاء: اللاعب السابق جمال مبارك الذي تحدث الأسبوع الماضي عن المنتخب السعودي بطريقة مستفزة، تهدف إلى الإساءة والانتقاص من إنجاز كبير يحسب لبلدان الخليج عامة!.

وقياسًا على هذا، ستشهد دورة الخليج المقبلة في الكويت احتقانًا غير مسبوق، والسبب هذه المرة ليس كرة القدم، بل حاسة الشم التي يتمتع بها بعض الإعلاميين والمحللين، خاصة أن الصحافي الرياضي بطبيعته يشم رائحة "الدسم" من آلاف الكيلومترات، ولا يمكن أن يهدأ و"يركد" إلا إذا تم "تزييت شاربه"، وكثير من هؤلاء يعتبرون أن في الأمر انتصارًا وإثباتًا للجدارة، على طريقة قول الشاعر: "في هالزمن من لا يدسم شاربه لا يفتله"!..

وهذا يذكرنا ببدايات دورات الخليج، عندما كان رؤساء الوفود يأتون إلى البطولة بحقائب "كاش" لتسهيل الصرف على منتخباتهم، ومن بين محتويات الحقيبة مبالغ مالية تصرف تحت بند "الدهنيات" مخصصة لـ"دهن سير" بعض المراسلين المزعجين في وسائل الإعلام العالمية الناطقة باللغة العربية، وغالبًا سيبلغ الأمر ذروته في الدورة المقبلة؛ لأن هناك رائحة "دسم" تهب كلما هبت رياح الأزمة الخليجية الحالية، وهي الرائحة التي لا تخطئها أنوف الإعلاميين والمعلقين والمحللين؛ لأن عبقها سيحدد مواقف أكثرهم من هذا المنتخب أو ذاك البلد، حتى لو كان الثمن النيل من الروابط المشتركة والعلاقات التاريخية بين أبناء دول الخليج.

*نقلاً عن الرياضية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.