صلاح مارادونا.. الوهم الذي تحول إلى حقيقة
على مدار الربع قرن الماضي احترف ما يزيد عن الـ 100 لاعب مصري في أوروبا، القليل نجح بالصبر والمثابرة والاجتهاد، والكثير عاد إلى الدوري المحلي بحثًا عن الأضواء التي غابت في الخارج الصارم.
عوامل فشل لاعبينا في تجاربهم متعددة. انعدام القدرة على تحمل المسؤولية وتَعجل الحصول على الفرصة الكاملة مع صعوبة التأقلم مع المجتمعات الغربية والاشتياق لعالم النجومية "الكرتونية"، كان له الدور الأعظم في فشل التجارب.
لن أحدثكم عن صولاته وجولاته وقيادته الرائعة لمصر نحو العودة للمونديال، فقد قتلت بحثًا من الزملاء، ما يهمني في تجربة صلاح أكبر من الإنجازات، ما يهمني هو سرعة تعلمه والتزامه وتفانيه خارج وداخل الملعب واللقب الذي يستحقه.
الإيجابية التي يتمتع بها، جنبته في لحظة من اللحظات "شرور الإعلام الغربي" حين رحب بأصعب شيء ممكن على "المصري والعربي" بالتقاط صورة تذكارية "سيلفي" مع لاعب صهيوني من فريق هدرسفيلد بعد إحدى مباريات ليفربول في البريميرليغ، وهي حركة ذكية لسابق معرفته أن الإعلام الغربي لو استلمه لن يتركه إلا بعدما يدمره تمامًا، بالتالي ما حدث لا يقلل من وطنيته أبدًا، ومن شدة حرصه على الظهور متواضعًا أغلب الوقت، راح لتلبية رغبة طفل طلب قميصه في لافتة غير مرائية عقب انتهاء مباراة توتنهام ليهديه قميصه وسط عاصفة من التصفيق.
النقاد ذهبوا بعيدًا في تمجيدهم لـ Moo Salah وشبهوه بميسي على مدار أسبوع كامل لتسجيله لهدف خيالي في توتنهام من مراوغة ثلاثة لاعبين في حركة واحدة، وصفه الإعلام الإنجليزي بالهدف المارادوني مع فارق السرعات والتقنيات لمعشوق نابولي.
نحن معتادون في مصر على مثل هذه الألقاب الخزعبلية غير المنطقية، مهما كانت مهارات وقدرات اللاعب، فقبل ظهور صلاح كان لدينا وهم كبير اسمه "صلاح مارادونا"، ومن بعده ظهر "كريم نيدفيد ورماضونا وأحمد بيكهام وخليل حجي نيمار ومحمود تريزيجيه" وهلم جرا.. لتفقد الصحافة الرياضية رونقها ورشاقتها القديمة في إطلاق الأوصاف التي تزعمها أستاذنا "نجيب المستكاوي".
حين بدأ الجمهور والإعلام المصريان في وصف محمد صلاح بجملة من الأوصاف، الوضع كان مختلفًا، فهو أكثر لاعب من أبناء جيله يستحق ذلك، ولهذا السبب انتفض الإعلام الإنجليزي من وقاره وتحفظه غير المفهوم على بدايات صلاح القوية مع ليفربول، وبدأ التحدث أخيرًا أن يتحدث بطريقة استثنائية عن موهبته ويتناول إحصائياته، ليتبع الجمهور الإنجليزي المصري ويتغنى باسمه في مدرجات آنفيلد بـ "الملك صلاح"، والبعض منهم ذهب ليصفه بـ "ملك الكوب" - المدرج الشهير في الآنفيلد الذي يطلق على أسطورة النادي كيني دالجليش.
لا يمكن أن يهتف الإنجليز للاعب مصري من فراغ، والهتاف لا يحدث إلا بعد التأكد من جدارته وأحقيته بذلك، وما دلل على تلك الحقيقة، بدء الحديث الصاخب عن صلاح بعد مرور 20 جولة من البريميرليغ الصعب، وتسجيل صلاح لأكثر من 20 هدفًا، بدأنا نسمع هتافات وتحليلات، فقد تأكدوا أنه ليس مُجرد لاعب، ولن يكون مثل ميدو أو عمرو زكي الذي تألق مع ويغان أثلتيك في عشر مباريات واندثر بعدها.
صلاح تجاهل الأقاويل والتحليلات التي انتشرت على صفحات المواقع المصرية التي حذرته من عواقب العودة إلى البريميرليغ، وتحدى نفسه وتحدى الجميع وأصر على العودة لكن مع فريق طفولته (كما وصفه في حديثه مع مجلة فور فور تو الأسترالية)، وها هو ينجح وبامتياز في إعادة إنتاج قصة البلجيكي "دي بروينه" الذي عانى مثله من جحيم دكة بدلاء تشيلسي مع مورينيو قبل العودة إلى إنجلترا بقدرات أكدت للقاصي والداني الفشل الذريع لـ "الرجل الخاص" في كيفية التعامل مع المواهب الشابة وتطويرها.
الكرة المصرية في حياتها، لم تحظ بلاعب "فلتة" لديه القدرات الفنية والفردية والشخصية (الكاريزما) والصبر الذي يمكن من كسب احترام العالم. فنحن حقًا موعودون "بالعذاب" مع فلتات ينقصها الاجتهاد والنهم والرغبة على الاستمرارية بخلاف طبعًا الألقاب الزائفة التي حدثتكم عنها.
في كل مرة تظهر فلتة "كسولة" بدنيًا وعضليًا وخططيًا كما في حالة حازم إمام، أو فلتة كثيرة الإصابات فاشلة في الحفاظ على اللياقة والوزن مثل "ميدو وناجي جدو" أو فلتة ضيقة الأفق مثل حالات "أحمد حسن وطارق السعيد وهاني رمزي ومتعب"، أو فلتة مشاكسة تتصرف بصبيانية مثل "إبراهيم سعيد وغالي وزكي والحضري".
صلاح هو الفلتة الوحيدة متكاملة الصفات، هو الفتلة الوحيدة التي نجحت في ألا تتأثر بأضواء الشهرة، وأبدعت في التعامل مع كافة الظروف بذكاء دون أن تتحجج بضغوط إعلامية أو ضغط مباريات، والصبر والتركيز وعدم التوقف عن التعلم كان هو مفتاح قصة النجاح.
وكما كان حلم المونديال ليس بالشيء المستحيل والصعب، بالإمكان أن تتكرر تجربة صلاح بعد أن بات قدوة يحتذى بها لجيل كامل كان مستسلمًا للعديد من الأصنام والمستحيلات، مسلمًا بصعوبة رؤية ابن بلدهم يصارع نجوم العالم على لقب أفضل لاعب وأفضل هداف لأقوى دوري في العالم، ويصول ويجول في دوري أبطال أوروبا الذي سجل فيه ستة أهداف هذا الموسم قبل الدور ثمن النهائي.
نحن في قمة النشوة الكروية والرياضية بسبب ميسي المصريين، أو كما أسماه أحمد شوبير مؤخرًا بـ(صلاحينيو)، فما فعله فتح الباب أمام مئات اللاعبين المصريين للاحتراف الخارجي، والعلامات الأولى ظهرت منذ الصيف الماضي عندما سمعنا عن حضور وفد من أودينيزي لمراقبة لاعب الأهلي الواعد "أحمد أحمدي"، ثم بحضور وفد من دورتموند وأوستريا فيينا في الانتقالات الشتوية لتقييم مستوى لاعب إنبي المنتقل مؤخرًا للأهلي "صلاح محسن"، في الوقت الذي اقتنعت فيه إدارة وست بروميتش البيون برأي أحمد حجازي في "علي جبر" لتقوم باستعارته من الزمالك.
*خاص العربية.نت - رياضة